المجلد السابع
سورة التوبة ( إدامة )
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 66 إلى 68 ]
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ ( 66 ) الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 67 ) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 68 )
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً
.
والنهى هنا على حقيقته ، فاللّه تعالى ينهاهم عن الاعتذار ؛ لأن الاعتذار يؤدى إلى أن يقعوا في ذنب أشد مما يعتذرون عنه لحميتهم ، وجهالتهم بسبب النفاق الذي أركس نفوسهم في الشر ، أو نقول النهى للتهكم باعتذارهم الذي يجعلهم يعترفون بأفحش ذنوبهم .
والاعتذار محو أثر الذنب ، وأصله القطع ، واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من الموجدة ، فهم يحاولون إزالة ما أوجده كلامهم من كفر ، فيزيدون الذنوب .
والاستهزاء استخفاف ، فإذا كان باللّه وآياته ورسوله فهو كفر ، ولذا قال تعالى في اعتذارهم وإقرارهم بالاستهزاء
قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
وقد أكد اللّه تعالى كفرهم ب
قَدْ
الدالة على التحقيق فأكد اللّه تعالى كفرهم ، وقوله تعالى :
بَعْدَ إِيمانِكُمْ
والنفاق ليس فيه إيمان ، والمنافق ليس بمؤمن ، ولكنه يظهر الإيمان ، ويكون بعد إيمانكم أي بعد إظهار إيمانكم ، فكشفتم كفركم بعد ستره ، فافتضح أمركم بعد أن سترتموه ، أو نقول : إنه كان فيهم ضعفاء الإيمان ، فكان اشتراكهم معهم في الاستهزاء والسخرية باللّه تعالى وآياته ورسوله كفرا لهم بعد إيمان كان فيهم ، وإن كان ناقصا ، وإني أختار هذا ، واللّه تعالى أعلم .
ثم يقول سبحانه :
إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً
، إن عفو اللّه منوط بالتوبة ، الطائفة التي يعفو اللّه عنها هي التائبة ، فالتوبة تجبّ ما قبلها ، وقد كان في هؤلاء الذين خاضوا ولعبوا وتعابثوا ، من تاب وأناب .
وقد قال الحافظ ابن كثير في تفسيره نقلا عن عكرمة مولى عبد اللّه بن عباس : وكان رجل ممن إن شاء اللّه عفا عنه يقول : اللهم إني أسمع آية أن أعنى بها ( أي لأنه كان ممن خاضوا بها ) تقشعر منها الجلود ، وتوجل منها القلوب ، اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك ، لا يقول أحد أنا غسّلت ، أنا كفّنت ، أنا دفنت .
فأصيب يوم اليمامة ، فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره .