وهذا النص السامي من جوامع الكلم . . وهو يفيد أن هؤلاء الذين قعدوا بأعذار حقيقية إذا نصحوا للّه ورسوله محسنون ، أي قاموا بالواجب وزيادة ، ومن أحسن لا عقاب عليه ، ومعنى قوله تعالى :
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ
أي طريق لتأثيم ، أو لوم أو عتاب ، أو تعييب لموقفهم ؛ إذ إن موقفهم أنهم قاموا بالواجب على قدر طاقتهم .
وهناك صنف غير من ذكرنا ليسوا ضعفاء ، ولا مرضى ، ويجدون ما ينفقون ، ولكن لا يجدون ما يحملهم في هذه الشقة البعيدة ، وهم يسقط الوجوب عليهم ، وقد قال تعالى فيهم :
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ
( 92 ) .
( الواو ) هنا عاطفة عطفت ما بعدها على قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى . . .
وتكرار لا لتأكيد نفى القدرة ، وتحقق العذر وثبوته .
فهؤلاء الأصناف أربعة : الضعفاء ، والمرضى ، والذين لا يجدون ما ينفقونه من زاد ، والصنف الرابع الذين لا يجدون ما يحملون عليه ، وكان الرجل كما قال ابن عباس يحتاج إلى بعيرين ، بعير يركبه ، وبعير يحمل الزاد والماء في هذه الرحلة الشاقة .
وقد قال في هؤلاء مبينا حالهم :
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ
وهذا يدل على أنهم لا يجدون ما يحملهم ، ويدل على أنهم شكوا حالهم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأن الرسول لم يجد ما يحملهم ، وذلك صريح ، وهذا الكلام فيه من إيجاز الحذف ما لا يمكن أن يكون إلا في أبلغ كلام وهو كلام رب العالمين ، وما في قوله تعالى :
إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ
لتأكيد فعل الشرط ، وهو مجيئهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم وعرض حالهم ، ومحاولة النبي صلى اللّه عليه وسلم علاج