للتوحيد ، والإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وحيث كانت القوة العادلة ، اختفت العداوة الظاهرة ، واستمرت عداوة النفوس مستكنة فيها فيكون النفاق الذي يأكل القلوب ، ويملؤها حقدا ، ورغبة دانية في الكيد .
ولما صارت القوة للإسلام في الجزيرة العربية ، وصارت الكلمة العليا للّه ولرسوله ، وجد سبب النفاق في داخل الجزيرة وحول المدينة كما قال سبحانه :
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ . . .
( 101 ) .
وعندما يكون النفير العام ، أو الخاص يظهر من الأعراب اعتذارات بعضها صادق ، وبعضها كاذب ، ويقعد بعضهم عن الجهاد كفرا ونفاقا ، ولذا قال تعالى :
وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ
.
في الآية قراءتان إحداهما بتشديد الذال مع كسرها ، والثانية بتخفيفها مع كسرها أيضا « 1 » ، فقراءة التعذير في الأولى ، يكون معناها التقصير وعدم الاهتمام ، من قولهم عذر في الأمر إذا قصّر فيه وتوانى ، وذلك مقصور في الأعراب الذين هم أجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه تعالى ، ولا فرق عندهم بين دعوة إلى الجهاد في سبيله ، ودعوة إلى عادات كانت تجرى بينهم للمنازعة على الكلأ ، أو مواطن الماء ، أو للعصبية الجاهلية .
ويصح أن يكون المعذّرون هم المعتذرون ، ويكون في الكلام إعلالا صرفيا ، فأصل « المعذرون » المعتذرون من اعتذر ، فقلبت التاء ذالا ، وأدغمت الذال ، ونقلت حركة التاء إلى العين ، ويكون المعنى جاء المعتذرون الذين شددوا في اعتذارهم ؛ لأن الادعاء ينبئ عن شدة الاعتذار ، وإن معنى ذلك أنهم يعتذرون بأعذار مقبولة ، ويدل على ذلك المقابلة ، وقوله تعالى بعد ذلك :
وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
هامش
( 1 ) قراءة ( المعذرون ) ساكنة العين خفيفة الذال ، قراءة يعقوب ، والنهاوندي عن قتيبة عن الكسائي ، وقرأ الباقون ، بفتح العين وتشديد الذال . غاية الاختصار ( 963 ) .