وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ
( 16 ) .
أي أنهم قضوا النهار غائبين عن أبيهم ، ثم عادوا في العشية ، يقول المفسرون : إنهم كانوا يتباكون ، ولا يبكون ، ونحن نميل إلى أنه كان ثمة بكاء حقيقي من بعضهم على الأقل ، وهو بعض من الندم على ما ارتكبوا أو أثموا وقد أحسوا بفظاعته ، وخصوصا عندما لقوا أباهم ، فإن لم يكن لأجل يوسف ، فلأجل أبيهم الثاكل .
قالوا في بكائهم أو تباكيهم :
. . . إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ
( 17 ) كانت المعذرة التي اعتذروا بها هي التي لقنوها من كلام أبيهم عليه السلام .
قالوا أمرين كاذبين :
الأمر الأول : أنهم ذهبوا يتسابقون ، وتركوه عند متاعهم .
والأمر الثاني : أنهم قالوا : إن الذئب أكله ، وما أكله ذئب ، إنما أكله الحسد والحقد الدفين .
ولقد أحسوا بأنه لن يصدقهم ، فقالوا :
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ
أي ما أنت بمسلم لنا ومؤمن بصدق قولنا ، ولو كانوا صادقين ، وادعاؤهم صدق قولهم هو أكذب الكذب .
وقد أحسوا بأن القول لا يغنى فتيلا ، إزاء الشك من أبيهم ،
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ
أي بدم مكذوب ، ووصف بأنه كذب ، أي أنه دم هو كذب في ذاته ؛ لأن الدم ليس دم يوسف ، بل هو دم غيره ، من غزال أو نحوه ، قالوا في الروايات : إنه عندما أمرّه على وجهه أحس بكذبهم ، وقال : ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا ! ! أكل ابني ، ولم يمزق قميصه . وهكذا كان ما اتخذوه دليلا على