وقد كانت المناسبة في الآية السابقة أن اللّه منع رسوله من أن يقبل منهم نفقات في الحروب ، ومعاونات فيها ، مهما تكن أموالهم كثيرة ، وأنهم أعز نفرا ، فاللّه هو الغنى الحميد .
وأما المناسبة هنا فهي النهى عن الصلاة عليهم بسبب كفرهم ، وتأكيد ذلك النهى ، وكان قبل ذلك النهى عن الاستغفار لهم ، وحلفهم الدائم ، وقد كان يظن أن يكون مالهم وأولادهم توجب العطف ، فبين اللّه تعالى أن ذلك كله لا يسوغ العطف عليهم ، ولا رجاء الخير منهم .
ولقد قال الزمخشري في تكرار بعض الآيات : وقد أعيد قوله تعالى :
وَلا تُعْجِبْكَ
؛ لأن تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزّل اللّه تعالى وتأكيده ، وإرادة أن يكون على بال المخاطب لا ينساه ، ولا يسهو عنه ، وأن يعتقد أن العمل به مهم يفتقر إلى فضل عناية ، ولا سيما إذا تراخى ما بين النزولين فأصبح الشئ الذي أهم صاحبه فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه ، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه .
وإن المنافقين قد استمروا على فرارهم من الجهاد ، ولذا قال تعالى :
وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ
( 86 ) .
كان المنافقون كلما نزلت آية جهاد ، قبعوا قبوع القواقع في أصدافها ، ورضوا بأن يكونوا من المتخلفين لا يتقدمون إلى الجهاد ، وإن كانت فيه العزة ؛ لأن أسباب العزة من جهاد ومقاومة للباطل ثقل عليهم ، ولذا قال تعالى فيهم :
وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
السورة في عرف القرآن الكريم هي الجزء من القرآن الكريم المسورة المحدودة المبدوءة ب « بسم اللّه الرحمن الرحيم » إلا سورة براءة ، فقد بينا أنها ليست مبدوءة بها ، ويصح أن يراد به هنا بعضها ، وهي آية من الآيات ، ويكون قد عبر