تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3761

مساهمون:

ص٣٧٦١
وقول
لَيُوَفِّيَنَّهُمْ
فيه توكيد للوفاء ، وهو القسم فكأنه تأكد الكلام باللامين ، وبالقسم وبنون التوكيد الثقيلة ، وأكد أيضا بالتعبير ب
رَبُّكَ
أي الذي خلقك ، وخلقهم ، وقام على هذا الوجود ، وإذا كان هذا الخالق الحي القيوم هو الذي يعد بالتوقية ، فإنها واقعة لا محالة . وقوله
أَعْمالَهُمْ
، أي جزاء أعمالهم ، ولكنه سبحانه حذف الجزاء ، وأضاف الجزاء إلى الأعمال للإشارة إلى أن الجزاء وفاق العمل ، فكأنهما شئ واحد ، إذ يكون عادلا تمام العدل ، يوم تجد كل نفس عملها محضرا ، وإن العدل الحقيقي يقتضى المساواة بين العمل والجزاء ، ويقتضى العلم ، وقد أشار إلى العدل بالمساواة بين الجزاء والعمل حتى كأنه هو ، وصرح بالثاني في قوله
إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
الضمير يعود إلى اللّه الذي تذكره القلوب ، ولا تنساه ، و
خَبِيرٌ
معناه ، عالم علما دقيقا لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ، يعلم ما تكسبه الجوارح ، وما يجول في الأفئدة . إنه سميع بصير .
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
( 112 ) .
فَاسْتَقِمْ
السين والتاء للطلب ، أي اطلب إقامة الدين ، وحفظ جوارحك الظاهرة والباطنة في دائرة القيام به ، وإدراك غاياته ومراميه ، وقوله تعالى :
كَما أُمِرْتَ
الكاف للتشبيه والمعنى اجعل أعمالك ومرام نفسك وقلبك كما أمرت أي كما أنزل اللّه تعالى ، وبنى للمفعول لأن الفاعل معلوم حاضر في الذهن دائما ، ولأن الاستقامة توجب اتباع الأوامر في ذاتها
وَمَنْ تابَ مَعَكَ
، فقوله تعالى :
وَمَنْ تابَ مَعَكَ
معطوفة على الضمير في استقم ، وإنما جاز النطق على الضمير المستتر في الخطاب من غير أن يؤكد بالضمير البارز للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه ، وهو بقوله تعالى :
كَما أُمِرْتَ
، فيكون عدم إبراز ضمير الخطاب مناسبا للنسق . وإن الاستقامة هي غاية الكمال الديني ؛ لأنها القصد إلى الهدف الأسمى ، ولأنها روح الإسلام وغايته ، وقد قال بعض الصوفية : إن الاستقامة هي مطلب
زهرة التفاسير — صفحة 3761 | محمد أبو زهرة