ثالثها : بأن الدالة على التوكيد .
وهكذا كان العقاب نازلا لا محالة ، ذهب رسل اللّه تعالى إلى لوط ولم يذكر أنه فوجئ بهم كما فوجئ إبراهيم عليهما السلام ، ويظهر أن المفاجأة وقعت ولكن استغنى عن ذكرها هنا بذكرها هناك ، أو أنه شغل عن المفاجأة برؤيتهم بحال قومه وفسادهم عند لقاء هؤلاء الأطهار ، ولذا قال تعالى :
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ
( 77 ) .
جاء رسل اللّه الملائكة الأطهار في صورة أناسي مشرقة وجوههم متكاملة صورهم ، فساء مجيئهم لوطا ، إذ هو يعلم من قبل ما عليه قومه من فساد ، ولذلك ساءه ذلك المجىء المفاجئ وعبر اللّه تعالى عن ذلك بكلمة
سِيءَ
بالبناء للمجهول لبيان أنه داخل نفسه السوء من كل ناحية ، ثم أردف ذلك بقوله تعالى :
وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً
وكلمة
ذَرْعاً
تمييز محول عن الفاعل ، والمعنى ضاق بهم ذرعه أي باعه ، وهذا التعبير تصوير لضيقه بصورة حسية كمن يضيق باعه فلا يستطيع أن يتحرك دافعا شرا داهما ،
وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ
أي شديد وقد قال الشاعر فيما يدل على الشدة في كلمة
عَصِيبٌ
يوم عصيب يوجب الإبطالا ، ولقد جاء في معنى
وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً
، أصله أن يذرع البعير بيديه ذرعا في سيره على قدر سعة خطوه ، فإذا حمّل أكثر من طوقه ضاق عن ذلك وضعف ومد عنقه فضيق الذرع ، فضيق الذرع كناية عن ضيق الصدر ، وهذا تخريج آخر ، والقرآن الكريم حمال لكل وجوه القول البليغ .
هذا ما كان من أمر نبي اللّه لوط وقد توقع الشر من قومه ، أما ما كان من قومه فقد قال تعالى فيهم :
وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
( 78 ) .