الإشارة هنا إلى الذين هددوا بعذاب الدنيا وإنه لنازل بهم ، وأنذروا بعذاب الآخرة ، ومن قبل صدوا عن سبيل اللّه ، وأرادوها ملحفين في إرادتهم أن تكون معوجة ، والإشارة إلى الموصوف بصفات تدل على أن هذه الصفات هي سبب الحكم ، وهذا الحكم هو الخسران المبين .
وأنهم خسروا بضلال عقولهم ، وخسروا أنفسهم بظلمهم ، فالظلم خسارة للنفس ، وخسروا أنفسهم بكفرهم باليوم الآخر وعدم رجاء ما عند اللّه ، وبعذاب الدنيا والآخرة ، ثم قال تعالى :
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
أي غابت عنهم الأوثان التي كانوا يحسبونها شفعاء عند اللّه ، وتلفتوا فلم يجدوها والتعبير ب
ضَلَّ
يفيد أنهم طلبوها فلم يجدوها ، أو توهموا أنها تنفعهم فلم تجدهم ، وفي تعبيره سبحانه عن الأوثان بقوله تعالى :
ما كانُوا يَفْتَرُونَ
إشارة إلى أنها لا وجود لها في ذاتها وإن وجودها كآلهة إنما هو في أوهامهم وافترائهم .
ثم يؤكد سبحانه خسارتهم البالغة إلى أقصى حد .
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
( 22 ) .
قال الخليل وسيبويه إن
لا جَرَمَ
كلمة واحدة معناها حق ويكون المعنى :
حق وثبت أنهم في الآخرة هم الأخسرون ، فالنص يثبت أنهم خسروا وأنهم بلغوا في الآخرة أقصى درجات الخسارة ، ولذا جاء جمع
الْأَخْسَرُونَ
، وفعل التفضيل هنا يدل على أقصى درجات الخسارة ، أي لا خسارة فوقها أو مثلها بل هي فوق كل خسارة ، وما ظنك بخسارة مؤداها البقاء في الجحيم خالدين فيها إلى ما شاء اللّه تعالى .
وروى عن الخليل أيضا في
لا جَرَمَ
أن معناها لا بد ولا محالة فهي تفيد التأكيد بأنهم في أعلى درجات الخسارة .
والأصل في
لا جَرَمَ
أن لا نافية ، وهي رد لهم في أطماعهم ، وبيان بطلانهم ، وجرم معناها كسب ، والمعنى لا كسب ذلك الفعل لهم - أنهم الأخسرون . ومؤدى لا جرم حق كما ذكرنا أولا .