أي أن أكثرهم غلبت عليهم خيالات وأوهام شاعت في جمعهم وانتشرت بينهم واتبعوها جميعا ، فالأفكار الفاسدة الضالة تنبعث من بعض الجماعة وتكثر فيها وتشيع في آحادها فتصير فكرا عاما مضللا ، وعلى العقلاء أن يصدوا هذه الأفكار الباطلة في أول نشوئها حتى لا تصير هي الغالبة ، وبعض المفسرين يقول :
إن الأكثر يراد به الجميع ، ونحن نقول على هذا المعنى ، ويقول البيضاوي : « إن أكثرهم ما يتبع في اعتقادهم إلا ظنا مستندا إلى خيالات فارغة فاسدة » .
الناس صنفان أحدهما : له عقل مستقيم يدرك ، والثاني : غلبت وسيطرت عليه الخيالات ، فأما الذي آتاه اللّه تعالى عقلا يدرك فإنه يفكر في خلق السماوات والأرض وما بينهما ويأخذ دليلا على وجود خالقهما من الأثر وقوة المؤثر ، ثم يجئ الرسل فيهتدى بهديهم ويتبع ما يدعون إليه ، وهو الذي ينطبق عليه الوصف القرآني الكريم :
. . . رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
( 50 ) [ طه ] ، فالهداية ثمرة العلم بالخلق . والصنف الثاني يقع في أخيلة وهمية تسيطر عليه فلا يأخذ الهداية من الخلق والتكوين ، بل تسيطر عليه الأوهام ؛ فيتوهم في حجر قوة ، ويتوهم في شخص ربوبية ، ولو نادى ليلا نهارا بأنه عبد من عباد اللّه لا يستنكف عن عبادة اللّه ولا يستكبر ، وهؤلاء يظنون القوة في غير قوى ، والقدرة في عاجز ، وتكون عقولهم دائما حائرة مضطربة ، ولا يكون منهم اعتقاد ولا يقين قط وكلها ظنون يتصورونها اعتقادا ، ولسان حالهم يقول :
. . . إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
( 32 ) [ الجاثية ] .
هذا بيان لعلمهم الذي يتجاوز الظن ولا يزيد عليه ، ويخيل لهم أنهم يعتقدون ثم يتعصبون له ويعاندون أهل الحق به .
وقد بين سبحانه وتعالى أن الاعتقاد لا يبنى على ظن بل يجب أن يكون على يقين ، ولذا قال تعالى :
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
أي لا يغنى بدل