والحق دائما ، كما قال تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
( 8 ) [ الشمس ] ، فإذا ألهمت التقوى سارت في طريقها تبلغ غايته ، وهذا أمر معنوي تطيب به النفوس المؤمنة وترضاه وتطمئن به .
ثانيتهما - جزاء مادي في اليوم الآخر ، وهو روح وريحان
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ
أي أنهم يدخلون الجنة تجرى من تحتها الأنهار .
وهنا إشارتان بيانيتان :
الأولى - أنه إذا كان ثمة جزاءان فإنه يعطف بينهما بالواو ولكن لا عطف ، وذكرا منفصلين فما حكمة ذلك ؟ نجيب قائلين : إن الانفصال هو الأولى ؛ لأن زيادة الإيمان في الدنيا وجريان الأنهار تحت الجنان في الآخرة . هو جزاء للأول وثمرة له فكان مقتضى ذلك أن يذكر منفصلا عنه ، وتجرى من تحتهم هو جريانها من تحت المستقر الذي استقروا عليه تعطيهم منظرا يسر الناظرين وتنعم به النفس والقلب والعين ، وتكون الراحة الخالدة .
الثانية - أنه سبحانه قدم جريان الأنهار من تحتهم على جنة النعيم ، للمبادرة بذكر المتعة النفسية الروحية ، ولبيان أنها تحتهم هم ، وذكر بعد ذلك أن هذا في جنات النعيم ، أي في الجنات التي خصصت للنعيم أو هي النعيم ذاته ، وفي قوله تعالى :
يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ
اقتصرت الهداية على أنها بالإيمان مع أنه ذكر الإيمان والعمل الصالح ، فلما ذا اختص الإيمان بالذكر هنا ؟ نقول عن ذلك أمرين :
أولهما - أن العمل الصالح ثمرة من ثمرات الإيمان الذي هو النور الهادي والمصباح المضئ فذكر الإيمان استتبع ذكر ما هو أثر له .
ثانيهما - أن الإيمان وحده هو الذي يهدى .
وبعد ذلك ذكر سبحانه نعيم الجنة المادي والنعيم الروحي وهو تسبيح وسلام وحمد للّه رب العالمين ، فقال تعالى :
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 10 ) .