لأن مؤداه أن يكونوا كلما راموكم بسوء وجدوا فيكم غلظة فلا يفكرون في أن يرموا بسوء ، والغلظة معناها الشدة والقوة ، والغلظة تجمع الجرأة ، وعدم التوانى ، والصبر ، والمبادرة ، والعنف في القتال من غير اعتداء فيه ، وألا تأخذهم بهم رأفة في دين اللّه تعالى .
وكانت الغلظة في قتال الذين يلونهم ، ليأمنوا شرهم ، وليرهبوهم ، ولكيلا يتمكنوا من الاعتداء إن فكروا فيه ، أو أرادوهم لأنهم ما داموا لم يعاهدوا عهدا وفيا ، فإن شرهم متوقع ، ودفع الشر قبل أن يأتي من شأن الحذرين ، واللّه تعالى يقول :
. . . خُذُوا حِذْرَكُمْ . . .
( 71 ) [ النساء ] ، والقتال أنفى للقتال ، وأبعد عن الاعتداء ، وخير الدفاع ما يكون هجوما .
وختم اللّه تعالى الآية بقوله تعالى :
أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
إن اللّه يحب الذين يتقون عذابه ، ويتقون الشر قبل وقوعه ولا ينتظرونه حتى يقع ، فإن وقع صعب دفعه ، والذين يتقون الاعتداء ، وكان ختم اللّه تعالى الآية بذلك لهذه المعاني التي أشرنا إليها ، ولتحريض المؤمنين على اتقاء الاعتداء ما تمكنوا منه .
وقوله :
أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
، أي هو مصاحب لهم ، فلا يقع عليهم ، وهو قريب منهم ينصرهم ويعزهم ، ولا يمكن عدوا منهم ، وقد أكد سبحانه أنه مع المتقين بالجملة الاسمية ، وبإنّ الدالة على التوكيد ، وبتصدير القول بلفظ الجلالة الذي يربى في النفس المهابة من اللّه ومخافته .
وقد بين اللّه سبحانه وتعالى كيف يتلقى المتقون ما ينزل من القرآن ، وكيف يتلقاه غيرهم ، فقال تبارك وتعالى :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
( 124 ) .
( الواو ) للاستئناف ،
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
( ما ) مؤكدة للشرط ، وهو نزول الآية والتأكيد لبيان مقام السورة النازلة ، والسورة مجموعة من آيات اللّه تعالى