وكان المؤمنون ينقسمون إلى قسمين أحدهما ينفر للجهاد ، والآخر يبقى في المدينة ، متعلما فقه الدين ، وينفر إلى الرسول ليعلمه ، ويرجع إلى قومه لينذرهم .
وهنا ملاحظات بيانية .
أولاها - أن مسمى الاتجاه إلى الفقه يدرسه نفير ؛ لأنه أولا ينفر له ناس لدراسة القرآن وفقه الإسلام إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ثم يرجع إلى أهله ، ولأن العكوف على علم الإسلام لا يقل فضلا عن الجهاد في سبيل اللّه تعالى ، وأنه جهاد مثله ؛ لأنه من قبيل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالإيجاب ، والجهاد أمر بالمعروف ونهى عن المنكر برفع الاعتداء وتمهيد السبيل .
الثانية - أن قوله تعالى :
فَلَوْ لا نَفَرَ . . .
( الفاء ) للإفصاح عن شرط مقدر تقديره إذا كان المؤمنون لا ينفرون للحرب كافة ، فإن طائفة تخصص للفقه لينذروا قومهم إذا رجعوا ، وقوله تعالى :
فَلَوْ لا
، لولا هنا للتحريض على الفقه في الدين .
الثالثة - أن الفقه هو العلم ، وهو العلم النافذ الذي يخترق العوائق لإدراك لب الدين ، ويقول الغزالي في هذا المقام : كان الفقه في العصر الأول اسما لعلم الآخرة ، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدة الأعمال ، والإحاطة بحقارة الدنيا ، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة ، واستيلاء الخوف على القلب .
الرابعة - أن اللّه تعالى قال :
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
، ولم يقل لعلهم يتفقهون ، وذلك لأن الخوف من عذاب اللّه تعالى وتقليل الخوف من العذاب هو ثمرة الفقه في الدين .
الخامسة - أن اللّه سبحانه وتعالى يقول :
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
أي رجاء أن يحذروا أو يخافوا ، والرجاء منهم لا من اللّه سبحانه وتعالى ؛ لأن اللّه تعالى عنده غيب السماوات والأرض ، وهو على كل شئ قدير .