هذا الكلام موجه من أهل الأعراف لكبراء الشرك وزعمائه ، الذين كانوا يعتزون بعصبيتهم وبأنهم أكثر وأعز نفرا ، فإنهم كانوا يستكبرون عن أن يكونوا تابعين ، وهم أهل الجاه الدنيوي ، والكبرياء المادي ، ينادونهم ، لينبهوهم إلى ما يقولون لهم وقد قال اللّه تعالى في ذلك :
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ
.
نادوهم ليستمعوا إليهم في قول الحق ، وقد كانوا ينادون أهل الجنة يعرفونهم بسيماهم ، أما في هذه المرة ، فينادون :
رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ
، التي لم تغيرها النيران وإن كبتهم وسودتهم ، وذكر الرجال هنا للإشارة إلى أنهم يخاطبونهم فرادى تقريعا وتذكيرا بسيئاتهم متفردين عن غيرهم .
قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ
.
قال لهم وقد عرفوهم وعينوهم :
ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ
، وهو العصبية الجاهلية التي كانت تجمعهم على العناد والغطرسة ، ويتعاونون لا لإحقاق الحق ، ولكن على الإثم والعدوان ، ويدخل فيه قوة المال الذي يعتزون به والنفر الذي يستنصرون به ونظرهم لأنفسهم على أنهم أعلى من غيرهم واستكبارهم عن الإيمان بالآيات بتكذيبها .
ومن استكبارهم أيضا أنهم يرون أن أتباع النبيين ضعفاء فقراء عبيد فقط ، كما قاله قوم نوح لنوح :
. . . وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ . .
.
( 27 ) [ هود ] .
فسألهم أهل الأعراف : هل أغنى عنكم هذا فلم يعذبكم اللّه تعالى ، بل أنتم هؤلاء في الجحيم تذوقون عاقبة ذلك ، تريدون النجاة ولا منجاة .
ويلتفت أهل الأعراف إلى أهل الجنة ، فيجدون الضعفاء الذين كانت تزدريهم أعين هؤلاء الطغاة فيخاطبونهم وهم في النار بقولهم :