أولاها - أنه عبر عن الأعداء بقوله
النَّاسَ
، وهو توبيخ أبلغ توبيخ ، ذلك لأنهم أناس مثلهم ، وليسوا في الفضل مثلهم ، وفوق ذلك مع أنهم أناس مثلهم ، يجعلون خشيتهم في مقابل خشية الله تعالى ذي الجلال والإكرام القاهر فوق عباده .
الثانية - التعبير بلفظ الجلالة فيه إشارة إلى بيان خورهم وفساد تفكيرهم ؛ إذ يجعلون خشية الله - جل جلاله - ، في مقابل الخشية من الناس ، والله تعالى إذا كان معهم وقاموا بحق الجهاد ، فلن يخذلوا أبدا .
الثالثة - في الترديد بين أن تكون خشيتهم من الله بمقدار خشيتهم من الناس ، أو أكثر ، فيه بيان لحال ضعفهم ، واستمكان الضعف ، وهو ترق في التوضيح ، إذ إنه من المقرر أن المؤمن لا يليق به أن يخاف الناس ، كما يخاف الله ، فكيف إذا كان يخاف الناس أكثر من الله ؟ ! ولا شك أن فريقا من أولئك الضعفاء أو المنافقين كان على هذه الحال .
وأولئك الجبناء لا يكتفون بالخوف والفزع ، بل يصل بهم الأمر إلى درجة أن يعترضوا على فرضية القتال .
وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
قد قالوا لفزعهم : ربنا الذي خلقنا ونمانا وربانا ، لأي شئ كتبت علينا القتال وفرضته وألزمتنا به ، وهو أمر مخوف مرهوب ؟ ! فمن فرط ذهولهم وجبنهم ينسون العزة والكرامة ، وأنهما مطلبان لا ينالان إلا بالحرب والجهاد ؛ وينسون إذلال الكافرين للمؤمنين ، والفتنة في الدين ، ويسألون عن أسباب القتال ! . نعم إن القتال أمر تكرهه النفوس ، ولكن إن كان دفعا للذل يصير واجبا ، كما قال تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
( 216 ) [ البقرة ] .
فيصير القتال أمرا مستمرا لشرف الغاية التي تدعو إليه .
وإذا ذكر أولئك الضعفاء بالباعث على شرعية القتال لا يذهب فزعهم ، بل يقولون وجلين هلعين :
لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
، أي : هلا أخرتنا في إجابة