تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1747

مساهمون:

ص١٧٤٧
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
معنى قتل النفس تعريضها للتلف من غير أمل في النجاة ، ويكون في ذلك إعلاء للحق ، ونصر للفضيلة ورفع شأنها ، كهذا الذي ينطق بكلمة الحق أمام سلطان جائر ويتأكد أنه سيقتله إن قالها ! ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : « سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قال كلمة حق أمام سلطان جائر فقتله » « 1 » ! ومن هذا أيضا أن يحمل على النطق بالكفر ، فيمتنع فيقتل ! نعم إن الله سبحانه وتعالى قال :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
( 106 ) [ النحل ] ، فرخص له بالنطق بكلمة الكفر ، ولكن الأفضل ألا يقول ، وهو مثوب إذا أصر ولم يقل ، ففي هذه الأحوال يكون التعرض للقتل فضيلة مشكورة ؛ لأنه إعلان للناس بأن للحق أنصارا يفتدونه بأنفسهم ، وفي ذلك تحريض على تأييده وهو دعوة صارخة له . ومعنى الخروج من الديار : الهجرة من البلد منصرفين للجهاد في سبيل الله تعالى ، وذلك إذا لم يكونوا مستضعفين في الأرض ، محكومين بغير المسلمين . ومعنى النص الكريم : لو ثبت أننا فرضنا عليهم أن يعرضوا أنفسهم للتلف من غير أمل في النجاة ، أو يخرجوا من موضع استقرارهم وأمنهم في ديارهم ، إلى حيث المشقة الشديدة والعمل الكادح ، ما استجاب لهذه الفريضة إلا عدد قليل من الناس ، وهذا يشير إلى أمرين : أولهما : أن التكليفات الشرعية لا تكون إلا فيما يطاق من غير مشقة مجهدة ، لأن الله - تعالى - يقول :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها . . .
( 286 ) [ البقرة ] ، والتعبير ب ( لو ) يدل على أن التكليف لا يقع على هذا ؛ لأن ( لو ) كما يقول العلماء تدل على امتناع الشرط لامتناع الجواب ، فالله تعالى لو يكلف ذلك التكليف لثقل التكليف إلا على عدد قليل منهم . الثاني : أن في كل طائفة عددا يقوم بذلك الأمر الشاق ، فهؤلاء المؤمنون الأولون قد صبروا على أذى المشركين في مكة من غير وهن ولا ضعف ، ومنهم
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .