ولكن الكثيرين من الفقهاء لا يلزمون بالقصاص في الضرب واللطم ، بل يجرون فيه التعزير ، وقد يكون بالتوبيخ . أو بالحبس أو بالضرب ، وحجتهم أن الضرب واللطم لا يمكن أن يجرى فيه القصاص ، بل المماثلة متعذرة ، وحيث تعذرت قام التعزير مقامه في العقاب ، والتعزير يكون على حسب تقدير القاضي المفوض إليه أمره .
وإننا نختار القصاص ؛ لأنه الأقرب إلى العدالة ، ولأنه يشفى غيظ المجنى عليه ، ولأنه هو الذي دعا إليه السلف الصالح وكانوا يسيرون على أساسه ، وقد أيد ذلك النظر ابن القيم فقال رضي الله عنه :
« إن ضمان النفوس والأموال مبناه على العدل ، كما قال تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . . .
( 40 ) [ الشورى ] ، وقال سبحانه
. . . فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ . . .
( 194 ) [ البقرة ] ، وقال عزّ من قائل :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
( 126 ) [ النحل ] ، فأمر بالمماثلة في العقوبة والقصاص ، فيجب اعتبارها بحسب الإمكان ، والأمثل هو المأمور به ، فهذا الملطوم المضروب قد اعتدى عليه ، فالواجب أن يفعل بالمعتدى كما فعل به ، فإن لم يمكن كل الواجب كان ما هو الأقرب والأمثل ، وسقط ما عجز عنه العبد من المساواة من كل وجه ، ولا ريب بأن لطمة بلطمة وضربة بضربة في محلها بالآلة التي لطمه بها ، أو بمثلها ، أقرب إلى المماثلة المأمور بها حسا وشرعا من تعزيره بغير جنس اعتدائه وقدره وصفته ، وهذا هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ومحض القياس » ثم يقول :
« فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا إجماع الصحابة ، وهذا ظاهر القرآن ، وهذا محض القياس فعارض المانعون هذا كله بشيء واحد ، وقالوا : اللطمة والضربة لا يمكن فيها المماثلة ، والقصاص لا يكون إلا مع المماثلة ، ونظر الصحابة أكمل وأصح ، وأتبع للقياس ، كما هو أتبع للكتاب والسنة ، فإن المماثلة من كل الوجوه متعذرة ، فلم يبق إلا أحد أمرين : قصاص قريب إلى المماثلة ، أو