فإذا أعرض ، فقد يكون ثمة احتمال الضرر الذي ينال الدعوة الإسلامية ، وشدة لجاجتهم في الباطل ، فنفى الله سبحانه وتعالى ذلك الضرر ؛ لأن الإعراض يكون حيث يدرك النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا مجال لأن ينفذوا ما يحكم به ، وأنهم يريدون أن يطوعوا أحكامه لأهوائهم ، أو يتأولوها بغير المقصود منها ، فيكون أكرم للدعوة ، وأكرم لمقامه عليه الصلاة والسلام أن يذرهم في غيهم يعمهون ، والله سبحانه وتعالى غالب على أمرهم .
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
القسط هو :
النصيب بالعدل الذي لا وكس فيه ولا شطط ، وتوصف به الأعمال الطيبة ، فقد قال تعالى :
. . . لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ . . .
( 4 ) [ يونس ] . وقال تعالى :
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ . . .
( 9 ) [ الرحمن ] .
والقسط أخذ نصيب غيره ، والإقساط إعطاء غيره نصيبه غير منقوص ؛ ولذلك قال العلماء : إن القاسط هو الظالم ، ولذا قال تعالى :
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
( 15 ) [ الجن ] . والمقسط هو العادل ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
. والمعنى الجملي للنص الكريم : إن اخترت أن تحكم بينهم لرجاء أن ينفذوا الحكم ويذعنوا له ، فلا تتبع أهواءهم واحكم بالعدل والقسطاس المستقيم ، وذلك العدل بين الله تعالى حكمه ، وشرع لزومه في كتبه المقدسة فإذا كان هناك زنى فالقسط أن يحكم بالحد ، لا فرق بين شريف وضعيف ، وقادر وغير قادر ، بل الجميع أمام الحق على سواء ، فالقسط هو إعطاء كل ذي حق حقه ، وتنفيذ حدود الله تعالى بالمساواة ، فلا يعفى منها شريف دون ضعيف ، فإن في هذا هلاك الأمم ، وذل الشعوب .
وقد ذيل النص الكريم بقضية عامة شاملة ، وهي قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
. وفي ذلك تزكية للعدل وتأكيد لطلبه ، فقد أكد الكلام بالجملة الاسمية ، وب « إن » المؤكدة ، وبتصدير الكلام بلفظ الجلالة ، وببيان أن محبة الله تعالى لا تكون إلا للعادلين المقسطين الذين لا يجورون ، وكان التعبير ب « إن » في