تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 2139

مساهمون:

ص٢١٣٩
أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
هذا هو ما كتبه الله تعالى ، وهو أن من قتل نفسا بغير حق شرعي مبيح لها ، فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ، وقد بين القرآن الكريم متى يكون القتل بغير حق مشيرا بإيجازه المعجز إلى القتل بحق ، فبين أن القتل بغير حق ، هو ألا يكون في نظير نفس ، فالقتل قصاصا لا يكون إلا بالحق ولكن بعد أن يقرر القضاء أنه يجب القصاص ، أو يمكن ولى الدم من القصاص ، وكذلك القتل لمنع الفساد في الأرض ، كقتل الذين يعتدون على الجماعات المؤمنة ، ويرهقونهم في تدينهم ، أو من يرتدون ليفسدوا عقائد المؤمنين ، أو الزنادقة الذين يفسدون العقائد ، أو أهل الدعارة والفساد من أهل الحرابة الذين يخرجون على الجماعات ويحاربون النظم التي قررها الشرع الشريف ، وهكذا ، فإذا كان القتل لغير هذين الأمرين ، فهو قتل بغير حق ، ومن فعل ذلك فكأنما قتل الناس جميعا . ولقد تكلم العلماء في معنى هذا التشبيه ، وكيف يكون قتل الواحد بغير حق مشابها لقتل الناس أجمعين ، قال بعض العلماء : إن المراد نفس الإمام العادل ؛ وذلك لأن قتل الإمام العادل الاعتداء فيه ليس على شخصه وحده ، ولكن على كل من يسعدون بحكمه ويظلهم عدله ، فمن قتله فكأنه قتلهم ، إذ يصير أمرهم بورا من بعده ، وتضطرب أحوالهم ، وذلك قتل للجماعة ؛ لأن تفريق الجماعة وحل رباطها هو موت لها ، ومع سلامة ذلك التفكير ، فإن قصر القتل المفسد على قتل الإمام لا دليل عليه ؛ ولذلك كان الأولى التعميم بدل التخصيص والإطلاق بدل التقييد ، إذ لا دليل من مخصص أو مقيد ، فالأولى هو تفسيرها بالعموم ، ويبقى مع ذلك التشبيه سليما ، لا شبهة فيه ، ووجه الشبه الذي جعل قتل النفس الواحدة كقتل الناس جميعا يكون من نواح : الأولى - أن من قتل نفسا فقد استباح حق الحياة المصون المحترم الذي حماه الإسلام ، ومن استباحه في نفس واحدة فقد استباحه في نفوس الناس جميعا ،