وفي ذلك إشارة إلى أن مقتضى الإيمان أن يعملوا ويجيبوا ، وأن يدعوا وساوس الخوف ، وأن يشعروا بأن الله معهم ، وهو فوق كل جبار ، وفي ذلك حث على العمل الحاسم ، والعزيمة الثابتة .
قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها
بعد تلك العبارات القوية المثيرة للهمم والعزائم التي نادى بها من الصفوف رجال منهم أو من أعدائهم ، أنعم الله عليهم أجابوا بإجابتهم الأولى ، وهي أنهم لن يدخلوا فيها ، حتى يخرجوا منها ، ولكنهم زادوا على الإجابة الأولى تأكيدا ، وتهجما على مقام الله سبحانه وتعالى . أما التأكيد فهو إضافة كلمة « أبدا » ، وإذا كانت كلمة « لن » فيها معنى تأكيد النفي فكلمة « أبدا » فيها معنى تأبيد النفي ما داموا على قيد الحياة .
. . . فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
( 24 ) وهذه الكلمة فيها استهانه بأمر الطاعة ، واستخفاف بمقام الألوهية والرسالة ، وخروج عن معاني الإيمان السليم ؛ لأن الله تعالى لا يعمل أعمال البشر ويقاتل ، ولكن ينصر ويخلق والقتال من أعمال العباد ، كما يقول رجل لآخر : يأمرك الأمير بالذهاب بالجند والقتال ، فيجيبه : قاتل أنت والأمير ، ففي ذلك استهزاء بالأمير ، وخروج عليه ، وفي كل ذلك استخذاء من قوم جبناء ؛ ولذلك ختموا كلامهم بالقعود عن القتال والثبات في أماكنهم :
إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
، وإن هذا الوصف الذي وصفوا به أنفسهم يدل على الخسة ؛ لأن القعود غير البروز ، والقاعد مخذل ، والمجاهد عامل والقعود في وقت وجوب النشاط هذا للعمل الصالح هو وصف ذم ، كما قال وصفا لأمثالهم :
. . . وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
( 46 ) [ التوبة ] . وقال تعالى :
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً . . .
( 95 ) [ النساء ]