رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ
( 84 ) [ الأنبياء ] . ويونس عليه السلام إذ تخلى عنه الصبر فهذبه ربه في الدنيا ، ثم صار من المخلصين وقد قال سبحانه :
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 139 ) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 140 ) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ( 141 ) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 142 ) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ( 143 ) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 144 ) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ
( 145 ) [ الصافات ] .
وقد ختم سبحانه ذلك الفريق من النبيين بذكر داود فقال تعالى :
وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً
أي كما أعطينا داود كتابا خاصا هو الزبور ، والقراءة المشهورة بفتح الزاي ، وقراءة حمزة بضمها أي « زبورا » « 1 » ، وعلى الأول يكون معنى زبورا بمعنى الزبور أي المكتوب ، وعلى الضم يكون جمعا لزبر بكسر الزاي ، والزبر هو الشئ المكتوب ، وعلى أي القراءتين فالمعنى أعطيناه كتابا مكتوبا يقرأ ويرتل .
ويظهر أن كتاب الزبور لم يكن فيه بيان للأحكام ؛ لأن التوراة كانت شرائعها هي النظام المتبع ، بل هو حكم ومواعظ ، وقد قال فيه القرطبي : « الزبور كتاب داود ، وكان مائة وخمسين سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام ، وإنما هي حكم ومواعظ » .
ولقد أعطى الله سبحانه وتعالى داود صفتين تبدوان بين الناس متعارضتين ، إحداهما - أنه كان رجل حرب وجلاد ، ورجل حكم وفصل بين الناس . والثانية - أنه كان طيب النفس متواضعا متطامنا ، فكان لا يأكل إلا من عمل يده ، ولذلك كان مثلا للنبوة التي تحكم وترشد وتتواضع وتقود الجيوش ، وهو الذي كان تحت يده كل خزائن ملكه ، ويعف عن أن يمد يده إليه ، ويأكل من عمل يده ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في بيان حاله : « إن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده » « 2 » فهو
هامش
( 1 ) قرأها بالضم حمزة وخلف وقرأ الباقون بالفتح . غاية الاختصار برقم ( 795 ) .
( 2 ) رواه البخاري : البيوع - كسب الرجل وعمله بيده ( 2073 ) ، وأحمد : باقي مسند المكثرين ( 27377 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه .