فإذا كانت العبادة الصحيحة هي ثمرة الخلق والتكوين والخضوع المطلق لسلطان الله تعالى ، فإن العبادة في القول والعمل ومعرفة الكون لا تكون إلا برسالة الله تعالى وحده إلى الإنسان ، فمن كفر بهذه الرسالة فقد ألغى معنى الوحدانية .
والله تعالى لا يغفر الشرك ، وكان تعبيره سبحانه بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ
للإشارة إلى أنه لا يغفر ذات الشرك ، ولكن يغفر للمشرك إذا خلعه وتاب عنه ، ودخل فيما يدعو إليه الرسل ، كما قال تعالى :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
( 38 ) [ الأنفال ] .
ولذلك أضيف نفى الغفران إلى الشرك لا إلى من تلبس به ، فإن الغفران يلحقه إذا خلعه .
وما دون الشرك وإنكار الرسالة من العاصي ، يكون تحت غفران الله سبحانه وتعالى ، ويتعلق بمشيئته ، ومشيئته سبحانه قد أشار إلى بعض ما تتعلق به من أعمال العباد ، ومنها التوبة ، فإن التوبة النصوح تخلع المؤمن من ذل المعصية إلى عزة القبول ، ومنها كثرة الحسنات وقلة السيئات ، فإن الله تعالى يقول :
. . . إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ . . .
( 114 ) [ هود ] . فمن رجحت كفة الحسنات في ميزانه يوم القيامة ، قد وعدنا رب العالمين بأنه يغفر له ، ومشيئة الله تعالى لا حدود لها ، ولكن منها ما بينه .
وقد قالوا في سبب نزول هذه الآية : إنه جاء شيخ من العرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني شيخ منهمك في الذنوب ، إلا أنى لم أشرك بالله منذ عرفته وآمنت به ، ولم أتخذ من دونه وليا ، ولم أوقع المعاصي جرأة على الله تعالى ولا مكابرة له ، وما توهمت طرفة عين أنى أعجز الله هربا ، وإني لنادم مستغفر ، فما ترى حالي عند الله ؟ فنزلت هذه الآية « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، كما في تفسير الآلوسي ، وذكره القرطبي في التفسير ج 5 ، ص 385 عن الضحاك .