تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1837

مساهمون:

ص١٨٣٧
إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
مرمى النص الكريم أنه لا يصح أن تكون الجراح ، وويلات الحرب وآلامها مثبطة لكم عن الاستمرار في طلب المعتدين وملاقاتهم ؛ لأنه إن أصابكم من الجراح والآلام ما أصابهم ، فهم يجرحون ويألمون من غير رجاء في الآخرة ، ولم يوعدوا بالنصر المؤزر الباقي في الدنيا ، ولا بالنعيم في الآخرة ، فهم يألمون في غير أمل مرجو ، وأنتم إن ألمتم ، فلرجاء النصر ولرجاء النعيم ، فأنتم أحق بالصبر ، وأولى بأن تطلبوهم ، ولا تهنوا وتضعفوا في طلبهم . ويسوق الزمخشري النص الكريم مساقا فيه شبه لوم للمؤمنين ، فيقول في تفسير قوله تعالى :
إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ
: ( أي ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصا بكم ، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم ، يصيبهم كما يصيبكم ، ثم إنهم يصبرون عليه ، ويتشجعون ، فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم ؛ لأنكم ترجون من الله ما لا يرجون من إظهار دينكم على سائر الأديان ، ومن الثواب العظيم في الآخرة ) . ونحن نرى أن النص فيه تحريض على الصبر ، ولا لوم فيه ولا شبه لوم ، فما كان عند المشركين صبر كصبر المؤمنين ، حتى يوازنوا بهم ويحرضوا على مثل ما هم عليه . وفي جعل رجاء المؤمنين من الله ، في قوله تعالى :
وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ
، إشعار للمؤمنين بأنهم في جانب الله تعالى ، وأن رجاءهم عنده ، وهو يجيب رجاء المؤمن ودعاءه ، ويؤيده بنصره :
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
( 126 ) [ آل عمران ] ، وليس للمشركين من يرجون إلا أن يكون أصناما لا تضر ولا تنفع ! . وإذا كان الرجاء من الله ، فهو رجاء من العليم بكل شئ ، الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها ، وينصر من ينصره بحكمته ، ولذا قال سبحانه :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
أي ثبت وتقرر أن العلم والحكمة من أسماء الله تعالى الحسنى ،
زهرة التفاسير — صفحة 1837 | محمد أبو زهرة