وقد ذكر سبحانه الوصف الذي استوجب استثناءهم ، فقال سبحانه :
لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا
، والحيلة المراد بها التحول من حالهم التي هم عليها إلى غيرها أي لا يستطيعون تحولا ولا انتقالا لعجزهم المطلق بمرض أو زمانة أو شيخوخة ، أو يستطيعون التحول ، ولكن لا يهتدون إلى الطريق الموصل كالصبيان القريبى العهد بالبلوغ ، بحيث لو خرجوا هلكوا .
فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً
إن هؤلاء الذين استضعفوا حقا وصدقا بسبب ضعفهم ، عسى أن يعفو الله عنهم ، أي يرجى أن يكونوا محل عفو الله تعالى ، فلا يؤاخذهم برضاهم بالبقاء في أرض الذل ، فالفاء هنا هي فاء السببية ، أي أن السبب في أنهم محل عفو الله ، ورجاء العفو لهم ، هو ضعفهم . وهنا بحثان تشير إليهما الآية الكريمة :
أولهما - أن الهجرة هي الأمر المفروض الذي لا مناص منه إلا عند العذر الشديد ، وإن الأعذار يقدرها أصحابها . ومع وجودها يرجى لهم العفو ، ويرجونه ، ويقول الزمخشري : إن هذا يدل على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه ، حتى إن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول : عسى الله أن يعفو عنى . وهذا كله معناه أن الأصل هو الهجرة .
ثانيهما - أن الأمور التي يرخص بها في مقابل واجب مفروض ، لا تكون مباحة في ذاتها ، بل تكون في مرتبة العفو ؛ لأن المباح يكون مطلوبا على وجه التخيير ، وهذه لا طلب فيها ، بل رخص بها في الترك ، والأصل وجوب الهجرة .
وقد ختم سبحانه وتعالى الآية بأنه كثير العفو عن عباده في الرخص التي يرخص لهم بها ، كثير المغفرة لمن تاب وأناب ، والله سبحانه وتعالى رحيم بعباده .