والتحريم له حكمته . فإنه يتنافى فيما للآباء من وقار ، وما يجب لهم من حسن صحبة ، ولأن امرأة الأب لا تحتشم على الابن ، فلو كانت تحل له بعد الفراق لتطلعت النفس إليها ، وقد ترغب فيه ، فتفارق الأب أو تغاضبه طمعا في ابنه ، ولا إساءة إلى الأب أبلغ من هذا ، فكان المنع لأجل الرحم والمودة في القربى ، وحسن الصحبة . والعقد ذاته سبب التحريم ، فإذا عقد الأب أو الجد فإنها تكون حراما على الأبناء والأحفاد ، ولو لم يدخل بها ؛ لأن ذلك ما يقتضيه الإحسان إلى الوالدين .
وفي النص إشارة إلى أنه لا عقوبات من غير نص محرّم ، وهؤلاء كانوا يرتكبون ما يرتكبون مستحلين له ، فلما جاء النص القاطع المحرم كان العقاب ، ولا عقاب قبل النص المحرم .
وإن ذلك النوع من النكاح سيئ في ذاته ، لا يقدم عليه كريم ، ولذا قال سبحانه وتعالى فيه :
إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا
هذه أوصاف ثلاثة وصف الله بها ذلك النوع من العقود : أولها أنه فاحشة ، أي أمر زائد في القبح شرعا وخلقا ، والفحش هو الأمر الزائد زيادة قبيحة ، فهو زيادة قبيحة على موجب الفطرة المستقيمة . والوصف الثاني أنه مقت ، وهو مصدر وصف به أي أنه ممقوت من ذوى المروءات لا يقبلونه ولا يرضونه . والثالث أنه أسوأ سبيل لطلب الولد ؛ إذ يكون ابنه أخا لأخيه من أبيه وبنته أختا لأخيه أو لأخته من أبيه ، وذلك نوع من المجوسية ، فهو لذلك كان سبيلا سيئا .
وقد قال الزمخشري في هذا النص : « كانوا ينكحون روابهم ( أي تنكح المرأة ربيبها ) ، وناس منهم كانوا يمقتونه من ذوى مروءاتهم ويسمونه نكاح المقت ، وكان المولود عليه يقال له المقتى ، ومن ثم قيل
وَمَقْتاً ،
كأنه قيل إنه فاحشة في دين الله بالغة في القبح ، قبيح ممقوت في المروءة ، ولا مزيد على ما يجمع القبحين » .
بعد ذلك بين سبحانه وتعالى المحرمات من الأقارب فقال تعالى :