تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 965

مساهمون:

ص٩٦٥
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
هذه مجاوبة بين رب العالمين وخليله إبراهيم . لقد كان إبراهيم قانتا لله حنيفا وكان غواصا طالبا للمعرفة يتأمل في كل شئ ويتقصى بفكره باحثا وراء الحقيقة طالبا لها ، قال لربه الذي اتخذه له خليلا :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
نادى ربه ذلك النداء ، فيشير بأنه مقر بأنه خالقه ومربيه والقائم على أمره ، وطلبه هو طلب الكيفية ، فهو مقر بالأصل مذعن له خاضع كل الخضوع لحكمه مؤمن بالبعث والنشور ، وأن الله سبحانه هو الذي يحيى ويميت ، وأنه القاهر فوق عباده ، ولكنه يريد أن يعلم بالحس كما علم بالقول الحق وبالعيان كما علم بالبرهان . قال إبراهيم ذلك ، فقال له ربه مشيرا إلى أن الغاية هي الإيمان
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ
أي : أتقول ذلك وتطلبه وأنت لم تؤمن ؟ فإن كنت مؤمنا فإن ذلك غاية المطلوب وإن لم تكن فليس وراء ما علمت من حجة ، وإن فيه الدليل القاطع والبرهان الساطع ، فأجاب إبراهيم ربه :
قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
« بلى » أي آمنت ؛ فهي نفى لما بعد الهمزة ، ونفى عدم الإيمان إثبات للإيمان ؛ لأن نفى النفي إثبات كما يقول العلماء ، وإذا كان إبراهيم مؤمنا فلما ذا طلب ما طلب ؟ فقد قال مستدركا :
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
والاطمئنان السكون والقرار فهل كان إبراهيم غير مطمئن وفي اضطراب حتى رأى وعاين ؟ إن الاضطراب ينافي الإيمان والشك ينافي اليقين ، وقد قرر أنه مؤمن فلا اضطراب ، إنما كانت حيرة إبراهيم في الكيفية لا في أصل القضية ؛ لأن إبراهيم كما قلنا كان غواصا متأملا يتطلع لتعرف كل شئ ، فحمل نفسه بسبب ذلك عناء البحث عن الكيفية ، فكان في حاجة إلى ما يذهب حيرته في هذه الكيفية ، فطلب ما طلب ليطمئن عقله الحائر الذي تجاوز منطقة الإيمان بالأصل إلى محاولة معرفة كيفية الإعادة وهي فوق القدرة العقلية البشرية . ولقد قال بعض العلماء إن الاطمئنان الذي طلبه إبراهيم عليه السلام هو الاستدلال بالعيان بعد الاستدلال بالبرهان ، فإن الحس يحمل الإنسان على الإذعان أكثر مما يحمل الدليل العقلي ، وهذا رأى حسن في جملته ولكن ما سقناه أولا أقوى في نظرنا وأحكم . هذا طلب إبراهيم عليه السلام ، ولقد كان جواب ربه هو ما كان بقوله تعالى :