تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
« وقال ابن خويزمنداد :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
منسوخة ؛ لأن الإجماع قد تقرر بأن عدوا لو استولى على مكة وقال : لأقاتلنكم ، وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة ؛ لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال . فمكة وغيرها من البلاد سواء . وإنما قيل فيها : هي حرام ، تعظيما لها ؛ ألا ترى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث خالد بن الوليد يوم الفتح وقال : « احصدهم بالسيف حتى تلقاني على الصفا » « 1 » . حتى جاء العباس فقال : يا رسول اللّه ، ذهبت قريش ، فلا قريش بعد اليوم . ألا ترى أنه قال في تعظيمها : « ولا يلتقط لقطتها إلا منشد » « 2 » . واللقطة بها وبغيرها سواء . ويجوز أن تكون منسوخة بقوله :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ .
قال ابن العربي : « حضرت في بيت المقدس - طهره اللّه - بمدرسة أبي عقبة الحنفي ، والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة ، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل به المنظر على ظهره أطمار ، فسلم سلام العلماء وتصدر في صدر المجلس بمدارع الرعاء . فقال القاضي الزنجاني : من السيد ؟ فقال : رجل سلبه الشطار أمس ، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس ، وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم . فقال القاضي مبادرا : سلوه ؛ على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم ، ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم ، هل يقتل أم لا ؟ فأفتى بأنه لا يقتل . فسئل عن الدليل . فقال قوله تعالى :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ
قرئ « ولا تقتلوهم ،
وَلا تُقاتِلُوهُمْ
» فإن قرئ « ولا تقتلوهم » فالمسألة نص ، وإن قرئ «
وَلا تُقاتِلُوهُمْ
» فهو تنبيه ؛ لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بينا ظاهرا على النهي عن القتل . فاعترض عليه القاضي منتصرا للشافعي ومالك - وإن لم ير مذهبهما - على العادة ، فقال : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .
فقال له الصاغاني : هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه ، فإن هذه الآية التي اعترضت بها ، عامة في الأماكن ، والتي احتججت بها
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : سورة البقرة : 192 . ( 2 ) جزء من حديث متفق عليه ، رواه البخاري : الديات - من قتل له قتيل ( 6372 ) ، ومسلم : الحج - تحريم مكة ( 2415 ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه . ولفظه : « ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد »