وقوله :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
أمر عام للجماعة الإسلامية ، بأن يكون التعامل المالى بينها على أساس من احترام كل حق الآخرين ، وألا يأخذ مالا إلا بحقه ، فلا يأخذه بربا أو غش أو تدليس أو بميسر ، أيا كان شكله ، ولا بسرقة أو غصب .
وعبر سبحانه وتعالى عن الأخذ بالأكل ؛ لأن أظهر مظاهر الانتفاع بالمال الأكل حلالا أو حراما وهو أشد ما يطلب المال لأجله ، ولأن الأكل إن لم يكن مصدره حلالا كان كالنار وتدخل بطن الآكل .
وقال تعالى :
أَمْوالَكُمْ
للإشارة إلى أن مال الآحاد مال الأمة ، إن نما قويت ، وإن ضعف ضعفت ، وإن كان حلالا كان طيبا ، كان عزا ، والإشارة إلى وجوب التعاون بين الناس في جعله لخير الجماعة ، وتنميته لعمومها ، وللناس كافة مع بقاء كل ملك كان على ملكيته لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه » « 1 » .
وقوله تعالى :
« بَيْنَكُمْ » ،
أي متبادلا بينكم منتقلا من حيز إلى حيز بالحق ، وفي ذلك إشارة إلى أنه لا يصح أن ينقل بينكم إلا بالحق ، فلا يصح أن ينتقل من حيز إلى حيز إلا بالحق ولا يجوز أن ينتقل بالباطل ، سواء أكان برضا كالربا ، والبيوع الربوية وكالميسر ، والعقود التي تشتمل عليه ، وغير ذلك من العقود التي جاءت على غير ما أمر به الشرع ، أم كانت بغير رضا صحيح كامل ، كالغصب والسرقة والغش والتدليس والتغرير ، فإن أخذ المال بهذا الشكل لا يجوز مطلقا ؛ لأنه غير مبنى على علم صحيح فلا يكون الرضا كاملا .
وقال تعالى بعد ذلك :
وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ
هذا معطوف على النهى ، فالنهي منصب على أكل مال المؤمنين بينهم ، وعن
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده عن أبي حرة الرقاشي ، عن عمه ، في حديث خطبة الوداع الطويل ، وأورده أبو يعلى بلفظ المؤلف دون زيادات - عنه أيضا - في باب مسند أبي سعيد الخدري ، ج 3 ص 140 ( 1570 ) ، والدارقطني عنه ج 1 ص 21 ( 2843 ) ، كما أورده الدارقطني من رواية أنس - رضي الله عنه ( 2842 ) .