ويصح أن يفسر الانقلاب بمعنى أن يجعل أعلاه أسفله ، وأسفله أعلاه ، فيكون المعنى أنه شبه حال من يرتد بحال من انتكس فصار رأسه في أسفل ، وعقباه في موضع رأسه ، وفي هذا بيان أن من تكون هذه حاله معكوس منكوس قد نقض إنسانيته وكل مقومات الإنسانية في نفسه .
وإن بعض المؤمنين خافوا من أن تضيع صلاتهم الماضية ، وخصوصا أن بعضهم قد مات ، وصلاته بعد الهجرة كانت على القبلة إلى بيت المقدس ، فشكا الأحياء منهم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فذكر الله تعالى مطمئنا أنه لا تضيع صلواتهم ؛ ولذا قال تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
والمراد من الإيمان هنا الصلاة ، وعبر عن الصلاة بالإيمان ؛ لأن الصلاة ركنه ، وقوامه ، فلا يعد الاعتقاد والإذعان إيمانا من غير صلاة متجهة إلى الله تعالى ، وإذا كان الاعتقاد به سلامة النفس والعقل ، فالصلاة بها تأليف القلوب ، وتطهيرها من الآثام ، وقد قال تعالى :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ . . .
( 45 ) [ العنكبوت ] ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا دين من غير صلاة » « 1 » فالتعبير عن الصلاة بالإيمان بيان لمكانها .
ولقد عبر سبحانه عن أن الله تعالى لا يضيع الإيمان بقوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
، أي ما كان من شأن الله تعالى ، وسنته في الوجود أن يضيع إيمان المؤمنين ، ونفى الضياع يقتضى غيره والجزاء عليه بثوابه عنه يوم الحساب ، وإن الله تعالى لا يضيع عمل عامل ، فقد قال تعالت كلماته في استجابة دعاء الضارعين إليه :
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ . . .
( 195 ) [ آل عمران ] ، وقال تعالى :
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
( 30 ) [ الكهف ] فذلك شأن الله وما سنّه ، وهو العادل الحكيم .
وإنه لا عقاب من غير شرع ينزل ببيان الأمر والنهى ، فالذين صلوا على القبلة التي كانوا عليها كانوا طائعين ، ولم يكونوا مخالفين عاصين ، ولا عقوبة في طاعة .
هامش
( 1 ) عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا صلاة لمن لا طهور له ، ولا دين لمن لا صلاة له ، إنّما موضع الصّلاة من الدّين كموضع الرّأس من الجسد » . [ رواه الطبراني في الأوسط والصغير وقال : تفرد به الحسين ابن الحكم الحبرى . وانظر مجمع الزوائد ( 4161 ) ] .