وعاود الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سيرته الأولى في تبليغ رسالة ربّه ، هو وأصحابه ، بلا ملل ولا كلل . . فإذا جادله الكفار بالباطل ، أبى إلّا أنّ يجادلهم بالموعظة الحسنة . ولكنهم إذا ما حكوه القول - إمعانا في إيذائه والإساءة إليه - فإنه لم يكن ليمتنع عن مجادلتهم بقوة حتى يرعووا . .
وذات يوم ، بينما كان متوجها إلى الكعبة ، مرّ بجماعة من المشركين ، وكان بينهم بعض من بني عبد مناف فإذا بأبي جهل يقول لهؤلاء :
- انظروا ، ذاك نبيّكم يا بني عبد مناف ! . .
فيقول له عتبة بن ربيعة :
- وما ننكر أن يكون منّا نبي أو منكم ؟
ويسمع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تحاورهما ، فيتقدم موجّها الكلام إلى عتبة وهو يقول له :
« أمّا أنت يا عتبة فو اللّه ما حميت للّه ولا لرسوله ، ولكنك حميت لأنفك » . . .
ثم يلتفت إلى أبي جهل ويقول له : « أما أنت يا عمرو فو اللّه لا يأتي عليك كثير من الدهر حتى تضحك قليلا ، وتبكي كثيرا » .
ثم يخاطب أولئك الكفار جميعا وهو يقول لهم :
« أما أنتم يا معشر الملأ من قريش ، فو اللّه لا يأتي عليكم غير قليل من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون وأنتم له كارهون » .
الحق ، الحق ، ينطق به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وهو ينذر هؤلاء الكفرة الفجرة بما سيؤول إليه مصيرهم ، يوم أن يظهر اللّه سبحانه وتعالى دينه الذي ينكرونه ، ثم يدخلون فيه رغما عن أنوفهم ، مكرهين ، مهزومين . .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 560
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٥٦٠