وهبّوا من مجلسهم ماضين على دين الكفر والوثنية . . يخلون الساحة للإيمان النقي الصافي . .
وخرجت العصبة الضالة ، فالتفت الشيخ أبو طالب إلى ابن أخيه وقال له :
- واللّه يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شططا « 1 » .
ثم لم ينقض على ذلك اللقاء إلّا بضعة أيام ، حتى توفي شيخ مكة . .
. . توفي أبو طالب ، الذي دافع عن الإسلام ، عندما منع ابن أخيه وحماه ، ومن ورائه كانت حماية المسلمين . وتوقف القلب الذي نبض بالحب لمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، منذ أن ولدته أمه ، وحتى آخر لحظة من حياته . .
ولقد عاش محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حب عمّه له في الأعماق وعايش المواقف الرائعة التي وقفها هذا العم من أجل دعوته ، أفلا يكون فراقه صعبا عليه ، يدخل إلى نفسه اللوعة ويملأها بالشجن ، وهو ينأى عنه بالأب ، والكفيل ، والنصير ، والحامي ؟
في لحظة غيّب الموت أبا طالب ولكنه في اللحظة ذاتها أحيا كوامن العاطفة الصادقة ، والمشاعر الفياضة ، التي أبكت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى جعلته يشرق بالدّمع ، ولا يجد وهو في إبان تلك الفاجعة إلّا التوجه إلى خالقه ، يحتسب مصابه ، ويدعو لعمّه الراحل بالمغفرة والرحمة . .
وإذا كان الرّسل والأنبياء ، وأولو العزم منهم بصورة خاصة ، قد تختلف نظرتهم إلى الحياة والموت عن نظرتنا نحن - بني آدم العاديين -
هامش
( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام ، م 2 ص 59 .