يجعله قولا علويا وليس من قول البشر وهؤلاء الذين أمكنهم أن يتذوقوا حلاوة لم يعرفوها من قبل ، قد وجدوا في نفوسهم ميلا للاستماع إلى تلاوة القرآن . وكأن اللّه - سبحانه وتعالى - أراد بهذا الشعور أن يفقهوا قيمة مبنى القول الذي يسمعون ، والمعنى الذي يحتويه بما فيه من الأدلة والبيّنات ، فإذا كفروا من بعد فيكون كفرهم - مع البيّنة ، وإقامة الحجة وإظهار الدليل - كفر عناد ، وكفر نفاق .
إذن فالتأثير قد حصل ، وهذا ما دفع بأولئك البعض من قريش لأن يتحيّن الفرص للاستماع من جديد إلى تلاوة الآيات القرآنية .
ففي ليلة ظلماء غطى سوادها مكة ، وبدون علم من الأتراب الآخرين أو من أحد غيرهم ، خرج وحده كلّ من : أبي سفيان بن حرب ، وعمرو بن هشام ، والأخنس بن شريف إلى جوار بيت محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليختبىء ، متخفيّا ، ويجلس منصتا .
وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقوم آناء الليل على الصلاة والتهجد وعلى قراءة القرآن ، فجاء أولئك النفر يستمعون ، غير متنبّهين للوقت وهو يمرّ سريعا حتى بانت طلائع الفجر ، فهبّ كل واحد يريد العودة إلى بيته لئلّا يكتشف أمره ، ويفتضح سرّه .
وكم كانت دهشتهم كبيرة وهم يتلاقون على مقربة من بيت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فوقفوا واجمين وقد عقد الخجل ألسنتهم ، فلم يبادر أحد رفاقه بتحية ، أو بأي كلمة ، حتى تجرّأ أبو سفيان وقال :
- ويحنا من مغفلين ، فما لنا ولهذا الوقوف المخزي ؟ ألا ترون أن الناس بدأوا ينتبهون من رقادهم ، وقد يتساءلون عن وجودنا في هذا
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 387
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٣٨٧