حتى يخلّص أبناء قومه مما هم فيه من كفر وضلال ومفاسد . .
. . ثم يترامى فكره إلى أبعد من حدود مجتمعه ، واستئصال مساوئه بكثير . . فيتطلع إلى الإنسانية بأسرها ، فيركن إلى التأمّل والتفكّر . . ويجذبه الكون بعوالمه ، فيروح يتبصر بما يتناهى إليه الفكر . . ثم يقرّر الانقطاع إلى الوحدة ، والانفراد بالنفس ، والرجوع إلى العقل ، متأهّبا للعمل الكبير . . علّه يجد الحلول التي تجلب الخلاص . .
وفي غار حراء ، كان انقطاعه . . وخلوته ، ليتأمّل ويراقب ، وينقّب ويفتّش . .
. . وما عتّم أن قادته فطرته السليمة ، وبصيرته النافذة إلى معرفة حقائق الوجود ، وإلى إدراك أسرار الحياة . . فكانت تلك المعرفة أول تمهيد لاستقبال الوحي الإلهي في يوم مقبل من الأيام .
نعم ، إن محمد بن عبد اللّه - قبل أن ينزل عليه جبريل الأمين بالوحي من ربه - إنسان يتدرّج في مراقي الكمال من مراحل عمره . وهو يتزوّد بحقائق الحياة ، فتقوده تلك الحقائق إلى ما وراء هذه الحياة ، فيعرف خالقه حقّ معرفته . . ثم . . يصير على موعد معه كي يمنحه الهداية الكاملة والفضل الأكبر . . .
وإذا كان محمد قد استحقّ هذا الفضل بذاته ، ولذاته ، فإن الشهادات التي تزكّي هذا الفضل الأكبر دليل على استحقاقه لها :
فشهادات أبناء قومه تتوالى من كل صوب ، بعد أن رأوه يتفرّد بخصال وفضائل لم يألفوها عند غيره . وشهادة زوجه خديجة بنت خويلد ( رضي اللّه عنها ) بحقّه لها قيمتها ، لأنها أقرب الناس إليه
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 38
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٣٨