وظلّ الثلاثة يعبّون الخمرة ، والغانيات بين أيديهم حتى ساعة متأخرة من الليل . . ورغم أن أبا سفيان كان قد سكر حتى الثمالة ، إلّا أنه رفع رأسه عن كتف غانيته ، ثم تناول كأسه بيده ، وهو يقول متباهيا :
- أما إنكما معشر سوء أيها الرجلان ! لقد نسيتما أننا ما جئنا الليلة إلا لنحتفل بعودة الأمان إلى نفوسنا وديارنا ، والاطمئنان إلى غدنا .
والفضل كان لأحبار اليهود الذين أمدونا بالنصح لنتخلص من محمد بن عبد اللّه فما رأيكم يا صاحبيّ ؟ .
وكأنما أخرج ذكر محمد أبا جهل من سكره ، فتناول كأسه ، ورفعها في وجه صاحبه ، وهو يقول :
- ما أطيب كلامك يا ابن عم ! ولسوف تعلم العرب أننا نحن الثلاثة ، كان لنا أكبر الفضل في تأليب الناس على محمد والقضاء على دعوته ! . .
ثم التفت أبو جهل إلى نديمه الآخر وهو يقول له متهكما :
- ولكن ما بال أبي لهب لم يرفع كأسه ويبدي سروره ، أم تراه حزينا على ابن أخيه مما حلّ به ؟ ! فما كان من أبي لهب وهو يسمع ذلك إلّا أن حمل كأسه ، وشمخ بأنفه متغطرسا ، ثم قال :
- ويحكما من خبيثين ! أتحسبانني أتخلى عن زعامة بني المطلب ، وفيّ رمق من حياة ؟ . أم نسيتما بأنني أفنيت العمر وأنا أطلب هذه الزعامة وأعمل لأجلها .
ومن ثمّ عاد إلى مجونه غير عابىء بما يدور من حوله ، وراح صاحباه يتهامسان ، وهما يسرّان لبعضهما بالقول :
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 374
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٣٧٤