النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من طوافه ، ودخل البيت الحرام لبعض الوقت ، ثم انصرف غير عابىء بما تلذعه به ألسنة تلك الزمرة من السخرية . قام عمرو يتبعه ، من غير أن يلفت الانتباه إليه ، فلما أدركه في أحد طرقات مكة ، تقدم يحيّيه ويطلب محادثته على انفراد ، بعيدا عن عيون الناس ، فرحّب به النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ودعاه إلى منزله .
وبالفعل ، وفي بيت النبوة ، وفي أجواء الحذر ، كانت هداية عمرو بن عبسة السلمي ، ودخوله في الإسلام على يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وكأنما أراد عمرو أن يطمئنّ على هذا الدين الجديد الذي اعتنقه ، فقال للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
- وهل يسود دين اللّه يا رسول اللّه ، وقد عرفت أن قريشا تقف له بالمرصاد ؟
وأطرق النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هنيهة ، ثم تلا قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
« 1 »
فلما سمع عمرو قول اللّه سبحانه وتعالى كاد يطير فرحا ، فسأل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يزيده نورا ومعرفة بهذا الدين ، فأقبل عليه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يزيده من تلاوة القرآن المجيد ، ويزوّده بحقائق الإسلام حتى أشبع نفسه بالإيمان الصادق ، ووثق من تملك هذا الإيمان قلبه وعقله . ثم دعا له بالخير والثبات على عهده مع ربه . .
وبمثل هذه العفوية الصادقة جاء عمرو بن عبسة السلمي ليحظى
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 33 .