ويظهر ذلك جليا عندما ولدت هند ابنها معاوية من أبي سفيان ، إذ رأت فيه السليل الذي يستحق الزعامة ، فكانت تسمع القاصي والداني حدوها لطفلها ، وهي تهز بسريره ، وتترنّم بأملها المنشود ، وهي تقول :
ثكلت نفسي وثكلت بكري * إن لم يسد فهرا وغير فهر
. . . فأولئك النسوة الثلاث : أروى بنت حرب ( زوجة أبي لهب ) ، وأسماء بنت مخربة ( أم أبي جهل ) ، وهند بنت عتبة ( زوجة أبي سفيان ) ، قد تلاقين على بغض محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . . فقد كانت لهن أطماع وأهواء فرّقتهن في التنافس والتسابق على زعامة قريش ، ولكن جمعتهن على الحقد للإسلام وداعيته ، فكنّ من وراء رجالهن - أزواجا وأبناء - في الكيد للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومحاربته بشتى الوسائل .
ولم تكن حمدونة بنت سفيان أقلّ كراهية للدين الجديد . لقد أعماها الحقد عن رؤية الحقيقة ، فوطّدت نفسها أن تظلّ على الوثنية والشرك . . وقد أظهرت ضلالها يوم أن دخلت حجرة ولدها سعد بن أبي وقاص فوجدته يركع ، ويسجد ويذكر اسم اللّه كثيرا . فما كان منها إلا أن راحت تصرخ في وجهه ، وهي تنحو عليه باللائمة قائلة :
يا ويلتاه ! لقد صبأت يا سعد ؟ ! . .
وحاول سعد أن يهدىء خاطر أمه ، فقال لها :
- بل لقد اهتديت يا أماه . . اهتديت إلى الدين الحنيف ، الذي يدعو إلى خير بني الإنسان ، وإلى البر بالوالدين ، وإيتاء ذوي القربى واليتامى والمساكين .
فأي شيء أرفع من هذه الهداية التي يبشّر بها سعد أمه ؟ ولو عقلت