ونواد أو خيم للشراب يلهون فيها ويسكرون . وكانوا يشتون بمكة ويصطافون بالطائف . كما كانت للأشراف مجالس أمام البيت الحرام ، ينشدون فيها الشعر ، ويحضرها بعض كبار شعراء الجاهلية مثل لبيد بن ربيعة صاحب المعلقة المشهورة . وكان يوضع لعبد المطلب بن هاشم فراش في ظل الكعبة ، فيجلس أبناؤه من حوله دون الفراش إجلالا لأبيهم ، إلّا ابن أخيه محمدا فقد كان يضعه في حضنه وهو على فراشه .
وكم من مرة كان يردد على القوم : « دعوا ابني ، إنّ له لشأنا عظيما » .
وكان القرشيون على اختلاف بطونهم وعشائرهم ، في اعتقاد العرب ، أنهم هم أهل الحرم . وإن مكانته العظمى في النفوس هي التي جعلت العرب جميعا تعظّم قريشا ، وتدين لها بالسيادة عليها . وسرى الاعتقاد بأن زعماء قريش هم أصحاب الأمر ، وأولو الحل والعقد في كل ما يتصل بعقيدتهم الدينية .
واستفادت قريش من ذلك أيما فائدة : فمكانتها مرموقة ، وسيادتها مطلقة ، وحياتها في ظل البيت آمنة مطمئنة ، أمّنت فيها على الأموال والأنفس من غائلة العثار والقهر ، ونعمت بحرية واسعة ، وجاه عريض .
والعرب مع ذلك كله يسعون إليها في كل موسم من مواسم الحج ، وهم يحملون المتاع والأموال ، ويقدمون للبيت الهدي الذي يسوقون ، وإلى الأصنام القرابين والنذور التي ينذرون .
وفوق ذلك فقد كانت قريش تفرض على الداخلين إلى أرض الحرم بعض الضرائب فكان العرب يتقبلونها بحكم العقيدة الدينية ، غير باخلين بها ولا متأففين من دفعها ، مما أمّن لقريش نوعا إضافيا من الدخل المستمر .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 290
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٢٩٠