بسخيف عاداتهم ، ولا يقحم نفسه في سوء أفعالهم ، بل يسير وفق نهج قويم ، سبله الحقائق المطلقة في الحياة والكون ، وطرقه السنن المستقيمة التي لا اعوجاج فيها ولا التواء .
ويظل يعيش مع هذه الهداية الذاتية المنبعثة من أعماق نفسه ، بتوجيه خفيّ من لدن عليم خبير ، حتى يبعث رسولا ، فتجتمع له عندئذ التربية الإنسانية ، بالتربية الرّبّانيّة لكي يكون الرسول المبشّر به ، والرسول المنتظر من الناس ، لكافة الناس ، كما يبين العزيز الحكيم بقوله الكريم :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً
« 1 » .
وقد نتساءل بالمناسبة : لماذا كانت البشارة بمحمد على مرأى من الدنيا ومسمعها قبل بعثته ؟ وما هي قيمة تلك البشارة ومزيّتها ؟ .
من الثابت أن الذي نقل تلك البشارة للإنسانية كان رسول اللّه الذي سبقه ، ونعني به السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السّلام . ولكن لم كان اختياره هو بالذات لهذا التكليف من دون سائر النبيّين والمرسلين ؟ . ألأنّه قد سبقه مباشرة في البعث وحسب ، أم لكي تكون للبشارة دلالات مميّزة لا تستقيم معانيها إلا مع المسيح عليه السّلام ؟ .
وأما أبرز تلك الدلالات فثلاث وهي :
الأولى : أن حامل البشارة قد تميّز بخاصية لم تعرف لغيره من سائر بني آدم على الإطلاق ، سواء كانوا رسل اللّه إلى الأرض ، أم كانوا أعلاما من الناس في الفكر والعلم ، أم من عامة الناس البسطاء العاديين .
فالتاريخ البشريّ ، وعلى امتداده منذ بدء خلق آدم عليه السّلام ، يثبت
هامش
( 1 ) سورة سبأ ، الآية : 28 .