نفوس قومه ، بل وخوفهم من سطوته وهيبته . ولكنهم رغم ذلك ، لم يفكروا يوما في مساعدته على نقل الماء ، ولم تبدر منهم أية بادرة تجاهه لتخفيف همومه وأتعابه . ولو حاول أن يطلب منهم ذلك - وهو سيدهم وصاحب الأمر والنهي فيهم - لما توانى الجميع ، شيبا وشبانا ، عن تلبية أوامره . ولكنه أبت عليه عزة نفسه أن يستخدم غيره في السقاية ، حتى لا يقال : إن ابن هاشم قصّر في أداء واجباته ، ولم يوف مناصبه حقوقها . .
وقدّر ، في تلك الغفلة من الناس عن أتعابه ، أن الأبناء وحدهم - لو كان عنده بنون - هم القادرون على إزالة الهموم عن كاهله .
فانصرف تفكيره إلى إنجاب الأبناء وتكثيرهم . .
وراح هذا التفكير مع الوقت يقلقه ، ويقضّ عليه مضاجعه ، فلا ينام ولا يقعد إلّا ويتراءى له الأبناء من حوله ، يمنعونه من حمل الأثقال ، بل ويردون عنه غوائل الزمان . .
وكانت الكعبة ملاذ عبد المطلب كلما حزبته الأيام بدهمائها ، فلا يترك يوما إلّا ويذهب إلى ركن من أركانها يستروح فيه من حرّ الشمس الوهاج عندما يخالط رمل الصحراء وينفذ إلى ثناياه ، فيستلقي هناك في جوار البيت الحرام ، ويغرق في قيلولة يفارق فيها الدنيا وهمومها .
ولكن هيهات أن تبقى له هذه الهناءة القليلة ، والأحلام قد بدأت تداهم سكينة نفسه في إغفاءته ، وهي تحمل معها مشاغله ، فتتراءى له وكأنه في اليقظة .
وظلت الأحلام تلازمه حتى جاءه هاتف في المنام يقول له : احفر بئر زمزم . . وأنس عبد المطلب لهذا الهاتف واستمرأ مجيئه . ولم لا ،
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 108
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص١٠٨