تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير فاتحة الكتاب — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وأيّن الأين فلا يقال له : أين ، إذ هو مبدع الكيفوفيّة والأينونية . يا فتح كلّ جسم مغذّى بغذاء إلّا الخالق الرّزاق ، فإنّه جسّم الأجسام ، وهو ليس بجسم ولا صورة ، لم يتجزأ ، ولم يتناه ، ولم يتزايد ولم يتناقص ، مبّرأ من ذات ما ركّب في ذات من جسّمه وهو اللطيف الخبير ، السميع البصير ، الواحد الاحد الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، منشىء الأشياء ، ومجسّم الأجسام ، ومصّور الصور ، لو كان كما يقول المشبّهة لم يعرف الخالق من المخلوق ، ولا الرازق من المرزوق ، ولا المنشىء من المنشأ ، لكنه المنشىء ، فرق بين من جسّمه وصورّه ، وشيّأه وبينه إذ كان لا يشبهه شيء . قلت : فاللّه واحد والانسان واحد ، فليس قد تشابهت الوحدانيّة ؟ فقال : أحلت ثبّتك اللّه ، إنّما التشبيه في المعاني ، فأمّا في الأسماء فهي واحدة وهي دلالة على المسّمى ، وذلك أنّ الانسان وإن قيل واحد فأنّه يخبر أنّه جّثة واحدة وليس باثنين ، والانسان نفسه ليس بواحد ، لانّ أعضاءه مختلفة ، وألوانه مختلفة غير واحدة ، وهو أجزاء مجّزأة ليس سواء ، دمه غير لحمه ، ولحمه غير دمه ، وعصبه غير عروقه ، وشعره غير بشره ، وسواده غير بياضه ، وكذلك سائر جميع الخلق ، فالانسان واحد في الاسم ، لا واحد في المعنى ، واللّه جلّ جلاله واحد لا واحد غيره ، ولا اختلاف فيه ، ولا تفاوت ، ولا زيادة ، ولا نقصان ، فأمّا الانسان المخلوق المصنوع المؤلّف ، فمن أجزاء مختلفة ، وجواهر شّتى ، غير أنّه بالاجتماع شيىء واحد . قلت : فقولك : اللّطيف فسّره لي ، فأنيّ أعلم أنّ لطفه خلاف لطف غيره للفصل ، غير أنيّ احبّ أن تشرح لي .