فيخاف عليكم كخيفته على نفسه حقا ولذلك فإنه
« حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ »
من أن ينالكم مكروه لشدة اهتمامه بكم كما يهمه جسده ، فلا يرضى بنقص أقل جزء منه ولا بشقائه فكذلك أنتم عنده ، ولذلك لا يريد لكم إلّا الخير ، وهو يبذل غاية جهده وقصارى وسعه ونهاية قدرته لهدايتكم لأنه
« بِالْمُؤْمِنِينَ »
المخلصين للّه الطائعين أوامره
« رَؤُفٌ »
وبالمذنبين والعاصين والغافلين
« رَحِيمٌ »
( 128 ) بهم يريد أن يعفو اللّه عنهم ويرجو منه أن يشفّعه بهم ، ولهذا فإنه ليفيض عليهم العلوم والمعارف والكمالات ، ويجب أن يتصفوا بها كلها لينجيهم ربهم من عذاب الآخرة ويغفر لهم ما وقع منهم في الدّنيا ، ولذلك يسعى لإرشادهم ويطلب من ربه قبولهم وتوفيقهم للخير والذكر الحسن في الدّنيا لينالوا ثوابه في الأخرى . اعلم أن اللّه تعالى لما أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن يبلغ ما جاء في هذه السّورة من التكاليف عباده ، وكانت شاقة يعسر تحملها إلّا لمن خصه اللّه تعالى بالتوفيق والكرامة ، ختم هذه السورة بما يوجب سهولة تحمل هذه التكاليف ، وهو أنه قد جعل هذا الرّسول الذي بلغهم منهم فكل ما يحصل من العز والشّرف في الدّنيا فهو عائد إليكم ، وفضلا عن هذا فإنه عليه الصّلاة والسّلام بحال يشقّ عليه ضرركم وتعظم رغبته في إيصال خير الدّنيا والآخرة إليكم ، فهو كالطبيب الشّفيق ولأب الرّحيم في حقكم ، والطّبيب الشّفيق ربما أقدم على علاجات صعبة يعسر تحملها ، والأب الرّحيم ربما أقدم على تأديبات شاقة ، إلا أنه لما عرف أن الطّبيب حاذق والأب رؤوف صارت تلك المعالجات المؤلمة متحملة ، وتلك التأديبات الشّاقة جارية مجرى الإحسان ، فكذا هنا ، لما عرفتم أنه رسول اللّه حقا فاقبلوا منه هذه التكاليف مهما كانت لتفوزوا بخير الدّارين . قال تعالى
« فَإِنْ تَوَلَّوْا »
عنك يا سيد الرّسل بعد ما أسديت لهم هذا النّصح وأعرضوا عن قبول إرشادك ، ومالوا عن موالاتك وعدلوا عن مجالستك ، فاتركهم ولا تلتفت إليهم ، لأنك لست عليهم بجبار ولا مسطير ، لأنهم يظهرون ذلك الإيمان ، فلو كانوا يجاهرون بالكفر لكان لك أن تقاتلهم حتى يعطوا الجزية ، فلم يبق إلّا طريق النّصح ، فإذا رأيتهم تولوا عنك ولم يجنحوا لإرشادك
« فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ »
وحده هو كافيني عن جميع خلقه لا حاجة لي