فكل ما وقع منهم قبل البيان لا يؤاخذون عليه ، أما بعده فمفوض لمشيئة اللّه تعالى ولهذا يتقدم لهم بالإنذار والإعلام حتى لا تبقى لهم معذرة إذا اقترفوا شيئا مما نهوا عنه بعد البيان فيؤاخذوا عليه ويعاقبوا ، وحاشا أصحاب رسول اللّه من الاقدام على شيء نهاهم اللّه عنه أو كرهه لهم
« إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
( 116 ) قبل ظهوره لخلقه علما حقيقيا لا كعلم السّحرة والكهنة الصّورى والمموّه الكاذب فإنه لا يلتفت إليه ، قال :
دع المنجم يكبو في ضلالته * إن ادعى علم ما يجدي من الفلك
تفرد اللّه بالعلم القديم فلا * إنسان يشركه فيه ولا الملك
أعد للرزق من أشراكه شركا * وبئست العدتان الشّرك والشّرك
فالعلم الذي هو العلم لا ينسب إلّا إلى اللّه العالم بكل شيء ، ومن علمه هذا ما خالطته نفوس أصحاب رسول اللّه من الخوف عما صدر منهم ما ثلج صدورهم بما أنزله في هذه الآية وأزال ما كان يتردد فيها . هذا وإن ما قاله الكلبي ومقاتل بأن قوله تعالى
( حَتَّى يُبَيِّنَ )
إلخ نزلت في أمر النّاسخ أي حتى يتبين لهم المنسوخ بالناسخ وذلك أن هناك أشياء كثيرة كانت عندهم قبل الإسلام يعدونها حلالا ولا بأس بها ، منها ما ابتكروها ابتكارا من عند أنفسهم ، ومنها ما تلقوها عن أسلافهم فقلدوهم فيها ومنها ما اقتفوا بها آثار أهل الكتابين كوأد البنات ، وقتل غير القاتل وشرب الخمر ، ومنع النّساء من الإرث ، وكذلك الأولاد والصّغار ، وتحريم السوائب ، والوصائل وتحليل أكل بعض الحيوان للرجال دون النّساء ، وغيرها ما ذكر اللّه في سورة الأنعام والمائدة والبقرة وغيرها ، ومن هذا القبيل توجه الإسلام في الصّلاة إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس ، أي ما كان اللّه ليبطل أعمالكم بالمنسوخ حتى تبين لكم نزول النّاسخ فتعملوا به ، وهذا لعمري بعيد عن الصّحة ، لأن هذه الآية عامة وكثير مما نهوا عنه لم ينزل فيه ناسخ ، ولم يكن النّاسخ إلا عن شيء نزل قيل بكتاب سماوي فلا يشترط له النّاسخ ، لأن النّسخ معناه نسخ نص سابق بنص لاحق ولا يوجد فيما اعتادوه قبل الإسلام نص سماوي ، لذلك لا يلتفت لهذا القول ، ولا يعقل قول المومي إليها به . وعلى كلّ فلا قيمة له ولا