له بالإيمان به وبربه ولذلك استغفر له عما سلف منه إذا هو آمن
« فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ »
مصر على كفره به . وهذا العلم جاء لإبراهيم بطريق الوحي من ربه عزّ وجل أو الإلهام أو بواسطة الملك
« تَبَرَّأَ مِنْهُ »
وهذا يدل دلالة صريحة على صدور الوعد من آزر لابنه إبراهيم بالإيمان باللّه وحده كما يفهم من نسق الآية وسياقها لا من إبراهيم له بالاستغفار ، لأن وعد إبراهيم له كان بعد ذلك ولهذا علّفه على إيمانه ، قال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام
( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا )
الآية 46 من سورة مريم في ج 1 كما أيده اللّه تعالى في هذه الآية المفسرة ثم أكد ما كان عليه عليه الصّلاة والسّلام من الخلق الكريم بقوله
( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ )
كثير التأوه فرقا من ربه جليل الخوف خشية منه رقيق القلب خاشع خاضع متضرع
« حَلِيمٌ »
( 114 ) صفوح عن الأذى صبور على البلاء لا يقابل أحدا بما يكره ، ولا السّيئة بالسيئة ، بل يعفو ويكظم يقول له أبوه لأرجمنك ويقول له السّلام عليك الآية 48 من مريم في ج 1 وقد تأسى نبينا صلّى اللّه عليه وسلم بكل أخلاق الأنبياء قبله كما أعطي معجزاتهم كافة ، وكان من كرم خلقه العفو والسّفح ، ولذلك جاء الإسلام وسطا في الأخلاق بين الأفراط والتفريط ، والتقريب بين المثل الأعلى والواقع ، وانسجام بين العقل والغريزة التي هي قوة مع رحمة ، وحكم مع عدل ، وتواضع مع عزّة ، ومساواة مع تسامح ، وتشاور مع عزم ، ولين مع حزم ، راجع الآية 161 من آل عمران تجد ما يتعلق بهذا ، قال تعالى
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً »
بسبب استغفارهم لمشركين
« بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ »
للايمان ، وسبب نزول هذه الآية هو أن اللّه تعالى لما نهى المؤمنين عن الاستغفار لآبائهم المشركين خافوا عاقبة ما صدر منهم وصاروا يضربون أخماسا بأسداس على ما فرط منهم ، فأنزل اللّه هذه الآية تطمينا لهم بعدم المؤاخذة وتطبيبا لخواطرهم ، وإعلاما بأن ما وقع منهم لا يضرّهم ولا يعاقبهم اللّه عليه ، لصدوره قبل النّهي بتأويل منهم ، وحاشا رحمة اللّه أن يعذب قبل أن ينهى أو يريد قبل أن يأمر بالنسبة للظاهرة ، ولهذا ختم هذه الآية بقوله
« حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ »
( 115 ) الخوض فيه وما يستحبونه