ما حدث لأصحاب الرّحالة العالمي الدّكتور ( سكوت ) حينما وصل بهم إلى القطب الجنوبي وكان نهاهم عن الشّرب لما شاهد من تأثيره المميت في تلك الأجواء الباردة ، وان منهم حينما اشتد عليه البرد لجأ إلى الشّراب خلافا لتعاليمه التي ذكرهم بها فما كان منهم إلّا أن لقوا حتمهم ، والّذين تقيدوا بتعاليمه فلم يشربوا نجوا من الموت .
وجاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن ديلم الحميري قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قلت يا رسول اللّه إنا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح ، وفي رواية من الذرة ، ونتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا ، قال هل يسكر ؟ قلت نعم ، قال فاجتنبوه ، قلت إن النّاس غير تاركيه ، قال إن لم يتركوه فقاتلوهم . وهذه معجزة خالدة في هذا . ومن جملة معجزاته قوله صلّى اللّه عليه وسلم إن اللّه تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها . وذلك لما أطلعه اللّه على ما ذكر من تأثيرها فيما سبق في هذا وغيره مما سيظهر بعد ، وإنما لم يذكر حضرة الرّسول لهذا السّائل ضررها المادي لعدم إدراكهم إيّاه في زمنه ، ولأنه يريد ألا يسألوا عن العلل لما أمر اللّه به ونهى عنه ، ويريد أن يمتثلوا ما يأمرهم به من نفسه كأمر اللّه تعبدا وانقيادا وإذعانا لأمره أيضا دون فتح باب للسؤال عن العلّة والسّبب ، لأنه لا ينطق عن هوى ، بل بما يلهمه ربه ، ولهذا قال تعالى
( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )
الآية 7 من سورة الحشر المارة ، فكان أمره أمر اللّه ونهيه نهيه ، وان كثيرا من أفعال اللّه لا تعلل ، وهو لا يسأل عما يفعل ، وهذا ما أردنا ذكره في الخمر ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وسيرى ندم الآخرة على عدم الامتثال أشد من ندم الدّنيا . وأما الميسر فقد قدمنا ما يتعلق به من المضار في الآية 22 من سورة البقرة بصورة واضحة فراجعها ، وهو مشتق من اليسر ، لأنه أخذ المال بسهولة ، وكان النّاس في الجاهلية يقامرون على أموالهم وأهليهم ، فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله ، ولذلك نهى اللّه عنه وأكد رسوله نهيه ، ألا فليعلم العاقل أن اللّه تعالى لم ينهانا عن شيء إلّا بقصد نفعنا لكونه مضرا لنا في ديننا ودنيانا وعاقبة أمرنا ، ولم يأمرنا بشيء إلّا لنفعنا في الأحوال الثلاثة أيضا ، وقد أباح اللّه لنا الطّيّبات واللّهو في غير ما حرم ، وليس