تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
الآية على أن حضرة الرّسول لم يكتم شيئا من الوحي ، خلافا للإمامية القائلين بذلك من أنه كتم بعضه تقية ، وحاشاه من ذلك ، لأن الإمساك المار ذكره كان عن جماعة مخصوصين مكابرين آنفين لا عن غيرهم ، ومع هذا قد أمره ربه بإبلاغهم وحيه . روى مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت من حدثك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كتم شيئا مما أوحي إليه فقد كذب ، ثم قرأت هذه الآية - أخرجاه في الصّحيحين - وفي رواية قالت لو كتم شيئا لكتم قوله تعالى
( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ )
الآية 37 من سورة الأحزاب المارة في قصة زيد رضي اللّه عنه . أما ما خصّ به من علم الغيب مما ليس بقرآن وقد تلقاه عن ربه بواسطة الأمين جبريل مما لا يسعه عقول النّاس إذ ذاك ، فهذا مما لم يؤمر بتبليغه إذ لم يكن من القرآن ، لأن وجوب التبليغ عليه مقصور على القرآن فقط لأنه له ولأمته ، أما غيره مما أوحى إليه فمنه ما هو واجب إبلاغه للناس لتعلقه بهم ، ومنه ما هو خاص به فقط ، ومنه ما هو مخيّر بين تبليغه وكتمه . قال تعالى
( فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى )
الآية 10 من سورة النّجم أي شيئا عظيما أوحاه إليه وأسرّه بأشياء جليلة لا تظهر لنا في الدّنيا بل حينما يعطي الشّفاعة الكبرى بالآخرة ، وإنما لم يظهرها لنا لأنا قد لا نعيها ولا ندرك ما ترمي إليه ، ولا نقدر أن نتصورها ، وقد أشار سيد العارفين الامام زين الدّين الحديث الذي رواه البخاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال حفظت من رسول اللّه دعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني الحلقوم ، وقال :
إني لأكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
وقد تقدم في هذا أبو حسن * إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا
فرب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا
وقدمنا في سورة الإسراء ج 1 ما يتعلق في هذا البحث فراجعه . واعلم أن حضرة الرّسول لو أعلم أهل زمانه معنى قوله تعالى
( وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ )
من هذه الطّائرات والسّيارات والكهرباء والرّاديو والهاتف والصّواعق والذرة وغيرها لما