وقد فعلنا هذا لكم
« لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
( 36 ) نعمة ربكم على ذلك وغيره .
واعلموا أيها النّاس أن هداياكم وضحاياكم ونذوركم هذه وجميع صدقاتكم
« لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها »
بما تفعلونه ، وذلك أنهم كانوا إذا نحروا الهدايا والضّحايا لطخوا الكعبة بدمائها ويزعمون أنه قربة وليس بقربة ، ولم تزل هذه العادة الجاهلية جارية عند الجهلاء في المدن والقرى حتى اليوم ، وذلك أنهم عندما يذبحون نذرا أو خيرا أو عند إرادتهم البناء تبركا أو عند إكماله شكرا بزعمهم يلطخون باب الدّار والجدران بدم ما يذبحونه تقليدا على فعل الجاهلية بالكعبة المعظمة ، فرد اللّه عليهم بأن هذا العمل ليس من القربة المراد بها وجه اللّه والتي يثاب العبد على فعلها ، لأن اللّحوم والدّماء لن ترفع إلى اللّه تعالى بل يرفع ثوابها إذا كانت على وجه شرعي
« وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ »
أي يرفع إليه العمل الصّالح والإخلاص فيه المعبر عنه بالتقوى التي يجب ان تنحلوا بها فهي التي يراد بها وجه اللّه ويثاب عليها . قال تعالى
( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ )
الآية 40 من سورة فاطر ج 1
« كَذلِكَ »
مثل هذا التسخير البديع
« سَخَّرَها »
أي البدن
« لَكُمْ »
أيها النّاس للاستعمال والذبح
« لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ »
عند ذبحها على ما هداكم لمعالم دينه وأرشدكم إليها
« وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ »
( 37 ) بالثواب العظيم عند اللّه تعالى إذا فعلوا ما أمروا به واجتنبوا ما نهوا عنه في هذه المناسك التي سماها اللّه تعالى منافع . هذا وليعلم أن الحج من العوامل القوية على تآلف المسلمين واتحادهم على توثيق عرى المحبّة والعون على إجراء الحق بينهم وتوحيد كلمتهم . قال تعالى
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )
الآية العاشرة من سورة الحجرات الآتية ويدعو إلى تعاضدهم وتآزرهم بما يتعلق بجميع شؤونهم وإصلاح كيانهم وإعلاء شأنهم حتى تكون العزّة لهم . قال تعالى
( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ )
الآية 138 من سورة النّساء المارة وهو العامل الأقوى على لمّ شعثهم وتقويم اعوجاجهم حتى يكونوا الأمة الكريمة التي عناها اللّه بقوله
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )
الآية 130 من آل عمران المارة . وإنما فرضه اللّه تعالى على المستطيع من عباده ليرى حكمته البالغة ، ويقدر فوائده العظمى التي تعود على المسلمين بالخير الوافر والنّعم