أني أعجز اللّه هربا ، وإني لقادم تائب مستغفر فما حالي عند اللّه ؟ فأنزل اللّه هذه الآية . ولا ينافي هذا ما نحن بصدده إذ لا مانع من تعدد الأسباب ، لأن الآية الواحدة قد تنزل لأسباب كثيرة ، وقد يذكرها حضرة الرسول لمناسبة حادثة تنطبق عليها ، وهذا لا يعني أنها نزلت ثانيا كما قاله بعض المفسرين ، راجع تفسير الفاتحة تعلم أنه لا يوجد في القرآن سورة أو آية نزلت مرتين ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم - كما جرت على ذلك أصحابه وأتباعه حتى الآن - عند وقوع قضايا كهذه يتلو الآية المناسبة بالمقام المطابقة له ، فيظنها من يسمعها منه أو يحضر الحادثة أنها نزلت في تلك وليس كذلك ، ولهذا ترى المفسرين يعددون أسبابا كثيرة للنزول ولا يقطعون بواحد منها ، والأجدر أن يكون سبب النزول للحادثة والواقعة فقط ، ثم تكون جوابا لغيرها مما يماثلها ، وقد توخيت في هذا الباب أقصى ما بالوسع ، كما بذلت غاية الجهد في باب الناسخ والمنسوخ ، واللّه الموفق ومنه الهداية وعليه الاعتماد وإليه المرجع ولا حول ولا قوة إلا باللّه . وهذا الشيخ المار ذكره كان لسان حاله يقول نظر اللّه إليه :
وما كانت ذنوبي عن عناد * ولكن بالشقا حكم القضاء
قال تعالى :
« إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ »
أي الإله العظيم أي ما يعبدون غيره ، لأن كل من عبد شيئا فقد دعاه لحاجته . والمراد بهم أهل مكة الذين رجع إلى دينهم طعيمة المذكور
« إِلَّا إِناثاً »
كاللات والعزى ومناة
« وَإِنْ يَدْعُونَ »
أي وما يدعون
« إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً »
( 117 ) خارجا عن الطاعة قد أغواهم على عبادة الأوثان . والمارد والمريد هو المتمرد العاتي الخارج عن الطاعة ويعبدون ويدعون بمعنى واحد ، راجع الآية 50 من سورة مريم في ج 1
« لَعَنَهُ اللَّهُ »
أي ذلك الملعون
« وَقالَ »
عدا تحريض الناس على الضلال
« لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ »
يا إله الكل
« نَصِيباً مَفْرُوضاً »
( 118 ) معلوما وأقسم الخبيث أيضا فقال
« وَلَأُضِلَّنَّهُمْ »
عن طريق الهدى الذي أمرتهم باتباعه وأرسلت لهم الرسل لإرشادهم إليه
« وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ »
الأماني الباطلة بطول العمر وكثرة المال والأولاد والآمال الفارغة والتسويف بالتوبة
« وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ »
يقطعن