تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
تأخير الأجل فقط ، والبيع ليس كذلك ، لأن البدل فيه من غير جنس المبدل منه ، ولأن الريح في قيمة المال البيع لا بنفس المال ولا من جنسه ، فإذا باع ثوبا قيمته عشرة بأحد عشر ، فقد جعل ذات الثوب بمقابل الأحد عشر ، وجعل التراضي عليه ، فلم تكن هذه الزيادة بغير عوض ، وفي الربا يكون الزائد بغير عوض ، لأنه يعطيه عشرة ويأخذ منه أحد عشر مثلا ، فتكون هذه الزيادة بمقابل الإمهال فقط ، والإمهال لا يكون عوضا مقابلا لهذه الزيادة لأنه ليس مالا ولا شيئا من جنس المال المعطى . وأعلم أن ما حرم بالنقدين حرم بغيرهما من مكيل وموزون من الأشياء الستة المبينة بالأحاديث الآتية ، لأن العبرة بالفضل ، فكل ما كان متفاضلا لا يجوز كما سنبينه بعد
« فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى »
وامتنع عما نهي عنه
« فَلَهُ ما سَلَفَ »
قبل النهي فلا يؤاخذ عليه البتة
« وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ »
فإنه يعفو عنه بامتثاله وامتناعه عن تعاطيه ، فلا يطالبه بما تقدم عن زمن النهي
« وَمَنْ عادَ »
إلى فعل ما نهي عنه واستحل أخذ الزيادة عن رأس ماله وأمر على تعاطيه
« فَأُولئِكَ »
الذين تمادوا على الربا هم
« أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ »
( 275 ) لا يخرجون منها أبدا وهكذا كل مستحل ما حرم اللّه عليه ، لأنه يكون كافرا بالاستحلال ، فيستحق الخلود كالكافرين باللّه المشركين به . واعلم أن آية الربا هذه من آخر آيات القرآن نزولا إذ لم ينزل بعدها إلا آية
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )
الآية 4 من سورة المائدة الآتية ، وآية
( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ )
284 الآتية . روى مسلم عن جابر قال : لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال هم سواء . وسبب تحريمه منع الناس من الاتجار بأموالهم بأنفسهم وبالواسطة ، وانقطاع المعروف بين الناس ، لأن المرائي لا تطيب نفسه أن يقرض أخاه دون فائدة تعود عليه ، ويؤدي إلى حرمان الناس من أجر القرض الذي هو أفضل من الصدقة ، ويسبب زيادة المال بلا تعب أو مشقة ، ويأمن من خوف التلف والخطر في الأجل والسفر ، فضلا عن هذه الأسباب فإن ما حرمه اللّه نصا وجب الانتهاء عنه اتباعا لأمر اللّه وامتثالا له توا دون الوقوف على سببه ، لأن اللّه تعالى مالك الخلق ، والمالك