فقال جل قوله
« وَاشْكُرُوا لِي »
أيها الناس على ما غمرتكم به من النعم
« وَلا تَكْفُرُونِ 152 »
بجحود شيء من نعمي عليكم فتحرموها . قال تعالى
( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ )
الآية 7 من سورة إبراهيم في ج 2 ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : اشكروا النعم لا تكفروها فإنها إن زالت فهيهات أن تعود . فاحفظوها عباد اللّه بدوام شكرها لئلا تسلب منكم وتقطع عنكم ولا أشد على المرء من زوال النعم بعد أن اعتادها ، حفظنا اللّه ووقانا وإلى شكره هدانا ، ومن زوال نعمه حمانا . واعلم أيها العاقل أنه كما يجب شكر اللّه على نعمه يجب شكر خلقه على نعمهم عليك ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : أشكركم للناس أشكركم للّه .
وأن تخص بالشكر والديك على نعمة التربية ، قال تعالى
( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ )
الآية 13 من سورة لقمان ج 2 وقال تعالى
( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً )
الآية 23 من سورة الإسراء ج 1 ، وقد أسهبنا البحث في هاتين الآيتين في بحث الشكر فراجعهما . قال تعالى
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ 153 »
بالمعونة والثبات والنصر والأعمال والمطالب والنيّات وكل ما تعذرت به الحقيقة من آيات الصفات وأحاديثها وشبهها يصار فيها حتما إلى المجاز لأن هذه المعية لا يعلمها غيره تعالى ، ونؤوّلها بالمعونة منه على عباده ومساعدتهم على أمورهم والقيام بحقوقهم ، ولما صارت واقعة بدر في 27 رمضان السنة الثانية من الهجرة واستشهد فيها ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار قال المنافقون ماتوا وذهب عنهم نعيم الدنيا ولذّتها ، فأنزل اللّه جل جلاله
« وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ »
قولوا
« أَحْياءٌ »
حياة طيبة أحسن من حياتكم أيها الناس ، لأنهم لا يزالون وإلى الأبد يذكرون بأنهم استشهدوا في طاعة اللّه ورسوله لإعلاء كلمة اللّه والذب عن أوطانهم وأعراضهم وإظهارا لأمر رسولهم على أعدائهم ، وإنما نهى اللّه تعالى عن القول بأنهم أموات لئلا يتساووا في هذا الاسم مع غيرهم الذين قتلوا في سبيل الشيطان وعداوة أهل الإيمان ، لأنهم لا يذكرون إلا بالشر ، فهؤلاء أموات مادة ومعنى وإن كانوا أحياء ، وأولئك أحياء مادة ومعنى وإن كانوا أمواتا ، وحياتهم بعد الاستشهاد كناية عن بقاء