كان بادئ بدء مملوء بالسديم أي الأثير والهيولى ، مع أن هذه القضية لم تعرف إلا بعد نزول القرآن بمئات من السنين . والدخان أجزاء أرضية لطيفة ترتفع بالهواء مع الجرارة ، والبخار أجزاء مائية ترتفع في الهواء مع الأشعة الراجعة من سطوح المياه ، فعبر بالدخان عن مادة السماء أي الهيولى والصورة الجسمية أو عن الأجزاء المتصغرة المركبة منها أي الأجزاء التي لا تتجزأ . ولما كان أول حدوثها مظلمة سميت بالدخان تشبيها لها به من حيث أنها أجزاء متفرقة غير متراصة ولا متواصلة عديمة النور ، أشبه شيء بالدخان . أما الاستواء فقد تقدم توضيحه في الآية 54 من سورة الأعراف والآية 5 من سورة طه المارتين في ج 1 ، وهو متى ما عدّي بعلى يكون بمعنى الاستيلاء والاستعلاء كقوله تعالى
( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى )
الآية المذكورة من طله ، ومنى ما عدي بإلى كما هنا يكون بمعنى الانتهاء ، فاحفظ هذا وتذكره عند كل جملة من هذا القبيل ، وراجع بيانه فيما أرشدناك إليه من المواضع .
قال تعالى
« فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً »
وهذا تمثيل لتحتيم قدرة اللّه تعالى فيها واستحالة امتناعهما المشعر به
« قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ »
11 فوجدتا كما أرادهما اللّه تعالى ، وجاء الجمع بلفظ العقلاء لأنه تعالى لما خاطبهما بأوصاف العقلاء أجراهما في الجمع مجرى من يعقل ، ونظيره
( ساجِدِينَ )
في الآية 4 من سورة يوسف وهو جمع للكواكب وقد خاطب اللّه تعالى من لا يعقل بصيغة من يعقل في كثير من آي القرآن ، لذلك السبب ، ولهذا جرينا أيضا على هذا المجرى تبعا لكلام اللّه تعالى ولتلك الأسباب نفسها . وليعلم أن اللّه تعالى خلق أولا الأرض ، ثم السماء ، ثم دحا الأرض ، بدليل قوله تعالى
( وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها )
الآية 30 من سورة النازعات الآتية لا انها خلقت بعد السماء بل خلقت قبلها ودحيت بعدها ، ولهذا قلنا آنفا في الآية العاشرة إن خلق الأرض في يومي الأحد والاثنين وما فيها في يومي الخميس والجمعة ، إذ كان خلق السماء في الثلاثاء والأربعاء تدبر ، ولا تغفل . وعلى هذا
« فَقَضاهُنَّ »
ذلك الإله العظيم كلهن وما فيهن وسواهن
« سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها »
مما أراد أن يكون فيها مما لا يعلمه على الحقيقة غيره ، ولهذا البحث صلة في الآية المذكورة من