تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
قومي فإنهم لا يعلمون ، وإنما كانت هجرته هذه اتباعا لأمر اللّه تعالى وتقديره الأزلي في ذلك ، وكان فيها الخير والبركة وعلو الكلمة وشرف السمعة ، وان قومه بعد رجوعهم من طلبه وسماعهم قول سراقة وما جرى له معه ، راجعوا أنفسهم ورأوا أنهم مقصرون تجاهه ، وانشقوا في الرأي وأوقعوا اللوم على الذين قرورا قتله في دار الندوة حتى نشأ عنه تركه إياهم وصاروا يمحصون أقواله ويفندون أفعاله ، فلم يروا منها ما يوجب النقد أو النفع الخاص أو الضرر لأحد ، أو أن ذلك لطلب الرئاسة أو المال أو غيره ، وإنما يدعو لتوحيد اللّه ، وهذا شيء لم يألفوه من قبل ولم يتلقوا شيئا منه عن آبائهم فخالقوه ، ويدعو للاعتراف بالبعث بعد الموت وهو لا تقبله عقولهم ، وان هذين الأمرين ما كان أحد منهم يقسر على الاعتراف بهما ، وإنما على طريق النصح والإرشاد وليس إلا ، لذلك تيقنوا ان سقط في أيديهم وندموا على ما فعلوا وعنفوا غيرهم عليه ، وقالوا إنه سيجد في المدينة أنصارا وأعوانا ربما أنّهم سيهاجموكم في عقر داركم هذه ، وقد أوقع اللّه الرعب في قلوبهم وصاروا يترقبون خوف الكرة عليهم بمن دان بدينه ، وكان ذلك ، إذ أظهره اللّه عليهم وأتم أمره فيهم ، كما سيأتي في قصة الفتح إن شاء اللّه تعالى عند تفسير الآية الأولى من سورة الفتح في ج 3 ، هذا وما ذكرناه من الأحاديث هو خلاصة ما جاء في الهجرة وسببها وكيفيتها ، ومن أراد التفصيل فعليه بمراجعة سيرة ابن هشام والسيرة الحلبية ، ففيهما الكفاية . ومما تقدم تبين لك أيها القارئ عظيم فضل سيدنا علي كرم اللّه وجهه ، لأنه هادي بنفسه الكريمة في طاعة ابن عمه محمد صلّى اللّه عليه وسلم حينما دعاه حالة إحاطة شبان قريش بداره وأخبره بما قصدوه من قتله ، وقال له أنت تنام في مكاني في بيتي وتبقى لتؤدي الأمانات وغيرها كما مر آنفا ، فلم يتلكأ وقبل عن طيب نفس ورضى قلب ، فتركه صلّى اللّه عليه وسلم على فراشه وخرج على الصورة المارة ، وحثا على رؤوس شبان قريش التراب ولم يحسوا به . هذا وان ما قاله بعض المتنطعين من أن رسول اللّه هاجر مكرها وخشية من القتل قول لا قيمة له ، كيف وقد تعهد اللّه له بالنصر وحماه من مواقف الكفر كلها طيلة ثلاث عشرة سنة في مكة ، وقد خيره اللّه في إهلاك أهلها فأبى عليهم وسأل ربه هدايتهم ، وانه خرج من
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 535 | السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني